حضرموت الحضارة والإنسان

   في وقتٍ تتجه فيه أنظار اليمنيين إلى الأزمات المتلاحقة والصراعات المفتوحة، تظل حضرموت واحدة من أعمدة الجغرافيا اليمنية، وأكثر المحافظات ثراءً بالموارد الطبيعية والتاريخ الإنساني، فحضرموت لا تمثل مجرد رقعة جغرافية شاسعة، بل تختزن في عمقها مزيجًا نادرًا من الثروة، والحضارة، والإنسان.

   تشير التقديرات الجغرافية إلى أن حضرموت تشكل نحو 36٪ من إجمالي مساحة الجمهورية اليمنية، ما يجعلها أكبر المحافظات مساحة، وتحتضن في الوقت ذاته أكبر هضبة متصلة في شبه الجزيرة العربية، فضلًا عن النفط والغاز، والمعادن، وساحل بحري طويل، وإرث ديني وثقافي تجاوز حدود الوطن.

   تمتد الهضبة الحضرمية على مساحات شاسعة من وسط وجنوب المحافظة، وتُعد الأكبر في الجزيرة العربية من حيث الامتداد الجغرافي المتصل، بمئات الكيلومترات المربعة، وتتخلل هذه الهضبة شبكة من الأودية الشهيرة، أبرزها وادي دوعن، والعين، والغيل، وحجر، التي شكّلت عبر التاريخ شرايين حياة للسكان. الهضبة الحضرمية ليست مجرد تضاريس صمّاء، بل نظام بيئي وجيولوجي متكامل، تختزن في باطنها مخزونًا هائلًا من الموارد الطبيعية والمعادن، كما أدت دورًا دفاعيًا طبيعيًا، وأسهمت في تكوين مخزون مائي غير مباشر عبر الأودية، الأمر الذي ساعد على قيام واحدة من أقدم الحضارات في جنوب شبه الجزيرة العربية.

   الزراعة واحات خضراء في قلب الصحراء رغم الطابع الصحراوي العام، تحتضن حضرموت واحدة من أهم الرقع الزراعية في اليمن، وتحديدًا في منطقة حجر الزراعية ووادي دوعن ووادي العين، التي تُعد أكبر حقل للنخيل في البلاد، وتشير تقديرات محلية إلى وجود أكثر من مليوني نخلة، كانت في فترات سابقة تتجاوز ثلاثة ملايين نخلة.

   النخيل في حضرموت ليس مجرد محصول زراعي، بل نمط حياة كامل لآلاف المزارعين، ومصدر الدخل الأساسي لأسرهم، غير أن هذا القطاع الحيوي تعرّض لانتكاسات كبيرة بسبب السيول التي جرفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى غياب الدعم الحكومي، وشحّ الآلات الحديثة، وضعف البنية التحتية.

   إلى جانب التمور، تُنتج حضرموت الحبوب، والأعلاف، والعسل الحضرمي الشهير، وعلى رأسه عسل دوعن، الذي يُعد من أجود أنواع العسل في اليمن، ويحتل مكانة عالية في الأسواق المحلية والخارجية.

    الساحل الحضرمي… ثروة بحرية مهملة يمتد ساحل حضرموت بطول يقارب 400 كيلومتر، من رأس شروين شرقًا على حدود محافظة المهرة، وصولًا إلى بئر علي غربًا المتاخمة لمحافظة شبوة، ويُعد هذا الساحل من أغنى السواحل اليمنية بالأسماك والثروات البحرية المتنوعة.

  ورغم هذه الإمكانات، يؤكد صيادون محليون أن الثروة السمكية تعاني من غياب الاستثمارات النوعية، وعدم وجود مصانع حديثة للتعليب والتصدير، ما يحرم المحافظة من عائدات اقتصادية كبيرة، ويجعل الصيادين الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.

  النفط والغاز قلب الاقتصاد اليمني حيث تضم حضرموت أهم القطاعات النفطية في اليمن، وفي مقدمتها قطاع المسيلة، الذي شكّل لعقود طويلة العمود الفقري للإنتاج النفطي الوطني.

   ويرى خبراء اقتصاديون أن حضرموت تُعد المحافظة الأغنى من حيث الموارد الطبيعية، إذ لا يقتصر مخزونها على النفط والغاز، بل يشمل أيضًا معادن متعددة، من بينها الذهب ومعادن أخرى لم يُستثمر فيها بعد بالشكل الأمثل.

   أرض البخور عرفت حضرموت تاريخيًا بأنها بلاد البخور واللبان، ومنها انطلقت القوافل التجارية ، إحدى أقدم الطرق التجارية في جنوب الجزيرة العربية، والتي ربطت حضرموت ببلاد الشام وبلاد الرافدين وشرق أفريقيا.

   ويؤكد مؤرخون محليون أن هذه الطرق لم تكن ممرات للبضائع فحسب، بل جسورًا لنقل الأفكار، والثقافة، والدين الإسلامي، الذي وصل إلى آفاق واسعة عبر التجارة وحسن المعاملة.

  المعالم الدينية والسياحية تزخر حضرموت بمواقع دينية وسياحية ذات قيمة عالمية، من أبرزها: شبام، المدينة المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي.

  تريم، مركز علمي وديني عريق. مسجد المحضار، أحد أبرز المعالم الدينية في العالم الإسلامي. قبر نبي الله هود عليه السلام في وادي حضرموت.

  ورغم هذا الزخم التراثي والديني، يقر مسؤولون محليون بأن السياحة التاريخية والدينية ما تزال شبه غائبة، بسبب الحرب والصراعات وغياب الاستقرار.

  ابن حضرموت يتجاوز الحدود الى العالم لم يكن الإنسان الحضرمي مجرد شاهد على التاريخ، بل صانعًا له، فقد أسهم الحضارم في نشر الإسلام في شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا عبر التجارة والهجرة، مؤسسين شبكات اقتصادية وتعليمية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. و

   ويشير باحثون في شؤون الهجرة اليمنية إلى أن الحضارم نشروا الإسلام بالأخلاق والمعاملة الحسنة، لا بقوة السيف، وهو ما منح رسالتهم بعدًا إنسانيًا جعل تأثيرهم يستمر لقرون.

   حضرموت، بهذا المعنى، ليست محافظة عابرة في خارطة اليمن، بل مشروع حضاري واقتصادي وإنساني، ينتظر إدارة رشيدة تعيد له مكانته، وتحوّل ثروته من إمكانات معطّلة إلى مستقبل مستحق.