ردفان فوق كل الإغراءات

    رسالتي إلى جيراننا في المملكة العربية السعودية، شعباً وقيادة: بحق الجوار والقواسم المشتركة، لا تختبروا كبرياءنا. نحن في الصفوف الأولى عندما يتعلق الأمر بالعزة والكرامة، كما أننا في الصفوف الأولى في حُسن الجوار والخُلق.

   لكن لا تخلطوا بين تواضعنا وقبولنا بالوصاية أو كسر الإرادة. نعم، نراكم اليوم تعيدون السيناريو نفسه، قواطر الإغاثة تصل تباعاً، وينفذها من تضعونهم في مواقعهم ليكسروا إرادتنا بوجبة طعام أو علبة زيت، تظنون أن الجوع يمكن أن يروضنا، كما ظن الإنجليز من قبلكم.

   دعونا نذكّركم بتاريخ بسيط، لا يزال حياً في ذاكرتنا: في ردفان، أيام الاستعمار البريطاني، كنا أطفالاً نتضور جوعاً، وكان جنود الإنجليز يمدون إلينا أيديهم بالبسكويت والألبان، لكن العزة التي غرسها فينا أجدادنا منعت أيدينا من الامتداد لتلك الإغراءات، ففضّلنا "الدوم" المر على أن نكون ثمناً رخيصاً لمشروع يريد كسر إرادتنا.

  هذه هي ردفان. وهذه هي هوية كل جنوبي في عدن، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة وسقطرى، لقد ورثنا النضال عن آبائنا، ولن نبيعه بأي ثمن.

   إلى الشعب السعودي الشقيق تحديداً: نحن هنا لا ننقض على قيادتكم، ولا نعمم المسؤولية، لكن نوجه إليكم دعوة صريحة: لا يمكنكم أن تبقوا متفرجين على سياسات تمارسها حكومتكم بحق شعب جار، تُستخدم فيها أحدث آلات الحرب، بينما لا يملك ذلك الشعب إلا إرادته واستعداده للفناء دفاعاً عن أرضه.

  السكوت على هذا الباطل يجعلكم شركاء فيه، وهذا لا يليق بشعب يعيش في مهبط الوحي ومهد الرسالات، أن يكون صامتاً أمام ظلم واقع على جيرانه.

   نحن نعلم أن القرار بيد قيادتكم، ونعلم أن هناك من يصور لكم واقعاً مزيفاً عنا، ويخبركم أننا يمكن أن نُروض بالمساعدات أو نُكسر بالحصار، نؤكد لكم أنهم مخطئون.

            وأخيراً.

    ربما تتساءلون: لماذا هذا الإصرار على الرفض؟

   لأننا جربنا مشاريع الهيمنة من قبل، جربناها مع الشمال في زمن الوحدة، حين قابلوا تطلعاتنا بالحرب والإقصاء والتهميش، حينها، كان يكفينا أن نسمع صوتاً واحداً يرفض الظلم بحقنا، لكن الصوت الوحيد الذي كان يصلنا كان صوت السباب والتهديد.

   تلك التجربة علمتنا أن من يريد الخير لجيرانه لا يفرض عليهم الوصاية، ولا ينتظر منهم الخضوع.

   علمتنا أن الكرامة الحقيقية هي أن نصنع قرارنا بأنفسنا، لذلك نقولها بوضوح: إذا أردتم لنا الخير، فتعاملوا معنا كند، لا كوصي.

   أما إذا أردتم تكرار سيناريو الهيمنة، فاعلموا أن الجيل الذي رفض "البسكويت" في الماضي قد رحل، وجاء جيل "الثبات" الذي لا يقايض كرامته بأي إغراء.

  ردفان كانت وستبقى شامخة.