في خضم الحديث المتكرر عن مسارات سلام تُبحث خلف الأبواب المغلقة، وما يُتداول عن تفاهمات نُوقشت مؤخرًا، يتصاعد القلق في الشارع الجنوبي من أن تتحول فكرة إنهاء الحرب إلى غطاء لتسوية سياسية تتجاوز جوهر "القضية الجنوبية"، أو تتعامل معها كملف هامشي يمكن ترحيله مقابل هدوء مؤقت.
هذا القلق _ المشروع _ ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لذاكرة سياسية مثقلة بتجارب مريرة؛ شَعر فيها الجنوبيون بأنهم كانوا آخر من يُستشار، وأول من يُطالب بدفع الثمن.
فمنذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء، دخلت البلاد في معادلة معقدة: كيف يمكن إيقاف الحرب دون أن يبدو ذلك مكافأة لطرف فرض واقعاً بقوة السلاح؟، وكيف يمكن بناء سلام مستدام دون الاعتراف بحقائق القوة والتمثيل على الأرض، وفي مقدمتها حقيقة الجنوب وقضيته؟
خلال مدة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، كانت أي تسوية تتجاوز الجنوب تُمثل خطًا أحمر سياسيًا، ليس فقط لكونها قضية عادلة، بل لأنها حقيقة واقعية فرضها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
لقد كان الموقف حينها يرفض القبول بشروط الحوثيين كأمر واقع نحو سلام منقوص، وهو ما جسده هادي في تصريحه الشهير: "حتى لو انسحبت دول الخليج، سنقاتل الحوثيين في معركة المصير".
ومع بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب سياسي وعسكري فاعل، أصبحت هذه الحقيقة أكثر جلاءً؛ إذ يبرز اليوم تباين في الرؤى بين مشروع "اليمن الاتحادي الفيدرالي" وبين تطلعات "استعادة دولة الجنوب"، وهو تباين لا يمكن القفز فوقه عند صياغة أي اتفاق نهائي.
تتكرر اليوم المخاوف ذاتها من اختزال الأزمة في ملف "وقف إطلاق النار"، بينما تُرحّل الملفات الأعمق ـ وعلى رأسها مستقبل الجنوب ـ إلى مرحلة لاحقة قد لا تأتي أبداً.
إن هذا النوع من السلام لا يصنع استقراراً، بل يؤسس لجولة صراع مؤجلة؛ فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الأطراف الفاعلة، ولا على القفز فوق التضحيات، ولا على محاولة هندسة واقع سياسي "ورقي" يصطدم بالواقع الميداني.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم ليس "ماذا يُناقش في الغرف المغلقة؟"، بل "من يملك حق التوقيع باسم الشعب الذي سيعيش تبعات هذا الاتفاق؟".
إن أي اتفاق لا يحظى بقبول الجنوبيين ولا يعكس إرادتهم السياسية سيظل اتفاقًا هشًا، حتى لو حظي برعاية دولية وإقليمية.
فالتاريخ اليمني القريب يثبت أن الاتفاقات التي تُفرض من "الأعلى" دون قاعدة شعبية تتحول سريعًا إلى أوراق بلا قيمة.
القضية الجنوبية لم تعد تفصيلًا يمكن تجاوزه؛ بل أصبحت المفتاح الأساسي للحل وشرطًا لا غنى عنه لأي استقرار مستدام، ومن يتجاهل هذه الحقيقة لا يؤجل المشكلة فحسب، بل يضاعف تعقيداتها.
إن البحث عن السلام هدف نبيل، لكن السلام الذي يأتي على حساب حقوق الناس وتضحياتهم ليس سلامًا، بل هو "هدنة مؤقتة" تخفي في أحشائها بذور انفجار أكبر.
ختاماً، إن أي مسار سياسي لا يضع الجنوب في قلب المعادلة، ولا يعترف بتمثيله الحقيقي، ولا يضمن كونه طرفًا أصيلًا في تقرير مستقبله، هو مسار محكوم عليه بالفشل مهما بدا واعداً؛ فالسلام الذي لا يرى الجنوب بوضوح، لن يراه الجنوبيون سلامًا أبدًا.