تشهد مدينة عدن هذه الأيام لقاءات يجريها رئيس الحكومة ووزير الخارجية الدكتور شائع محسن مع عدد من المكونات في العاصمة عدن، بهدف الاستماع إلى الشكاوى والمعاناة التي تعيشها المدينة.
غير أن ما يظهر من هذه اللقاءات يوحي بأنها تسير ضمن خلطة سياسية واحدة، وهو أمر خطير قد يؤسس لواقع سياسي جديد في عدن، المدينة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة للمبارزات السياسية والتجمعات الهادفة إلى خلق اصطفافات جهوية واجتماعية بألوان سياسية مختلفة، مدعومة بتمويلات تصطف خلف أدوات سياسية محلية وخارجية.
في الحقيقة لم تعد عدن بحاجة إلى مزيد من البهرجة الإعلامية، فالجميع يدرك حجم المعاناة التي يعيشها المواطن.
ولعل من أخطر مظاهر هذه المعاناة التوسع غير المبرر في الأوعية المالية الحكومية في العاصمة عدن، وهي الأوعية التي جرى استحداث الكثير منها خلال السنوات الماضية. وكان يفترض بوزير الدولة ومحافظ العاصمة عدن المطالبة بالعودة إلى القوانين والأنظمة المتعارف عليها في إدارة الموارد المالية.
إن الزيادة غير المنظمة في هذه الأوعية المالية أسهمت في تعزيز قوى الهيمنة والغطرسة، وفتحت الباب أمام ممارسات واسعة من العبث بالإيرادات العامة.
لذلك فإن العودة إلى الأطر القانونية التي كانت معمولاً بها قبل الحرب تمثل خطوة أساسية يمكن أن تسهم في إعادة التوازن الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على خفض أسعار المواد الغذائية وتحسين مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. كما نؤكد ضرورة العودة الجادة إلى العمل وفق القوانين والتشريعات المعتمدة، ووقف الاستيلاء على القرار المحلي عبر الآليات الحزبية أو الشللية أو المناطقية.
فالمؤسسات لا يمكن أن تُدار بمنطق المحاصصة أو الولاءات الضيقة، بل بالكفاءة والخبرة والنزاهة. ومن المهم أيضاً وقف العشوائية في إصدار قرارات التعيين للقيادات الإدارية، إذ إن كثيراً من هذه التعيينات لم تمر حتى بأبسط الإجراءات الإدارية والقانونية، الأمر الذي أدى إلى تكريس حالة من الفوضى في إدارة المحافظة ومكاتبها التنفيذية.
إن التخندق خلف المصالح الشللية لا يمت بصلة إلى مقومات بناء الدولة، فالدولة لا تُبنى بالعلاقات الضيقة أو بالمصالح المؤقتة، بل تُبنى على أسس القانون والمؤسسات والعدالة في إدارة الموارد وتكافؤ الفرص في تولي المسؤوليات.
عدن اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة لتصحيح المسار الإداري والمالي، بما يعيد الاعتبار للقانون ويعزز الشفافية في إدارة الموارد ويمنح الكفاءات المؤهلة دورها الحقيقي في إدارة مؤسسات الدولة، بعيداً عن المصالح الضيقة والاصطفافات السياسية.