عدن… حين كتب الصمود حكاية النصر

لم تكن عدن يومًا مدينة عادية في تاريخ النضال، بل كانت مدينة تشبعت بالنضال والكفاح المسلح، وكانت تعرف معنى الصبر والصمود حين ضاقت السبل.

   في تلك الأيام العصيبة من حرب جماعة الحوثي على عدن، كانت الخيانة أبرز ملاحم تلك المرحلة والعدوان على المدينة.

  لقد كان أبناء المقاومة الجنوبية لا يملكون السلاح الكافي ولا طلقات الرصاص، حفاةً وبسطاء، لا يملكون حتى ثمن الرغيف، لكنهم كانوا يملكون ما هو أعظم: الإيمان بعدالة قضيتهم وحبهم الصادق لمدينتهم.

  حين ارتفع النداء من مآذن المساجد، تداعى الناس من كل مكان. لم يسأل أحد من أي منطقة جاء الآخر، ولم تكن المناطقية حاضرة في تلك اللحظات.

  كان الجميع أبناء وطنٍ واحد، تجمعهم عدن وتوحدهم الشدّة. عشنا في مديريات الداخل: كريتر، وخور مكسر، والمعلا، والتواهي، ثلاثة أشهر من حصارٍ خانق، لا ماء، ولا كهرباء، ولا طعام.

  كانت الشوارع بعد الساعة الخامسة والنصف مساءً تغرق في ظلامٍ دامس، وكأن المدينة تحبس أنفاسها، لا حركة تُرى، ولا صوت يُسمع سوى القلق والخوف الذي يخيّم على البيوت والأزقة.

  ومع اشتداد الحصار، كانت آلة الحرب تقصفنا بالهاونات بلا توقف، سقط جيران لنا قتلى وجرحى، وكنا نتساءل بمرارة: ماذا فعلت عدن ليحلّ بها كل هذا؟.       كيف يمكن أن تُقصف مدينة بأهلها الأبرياء بهذا الشكل؟

  ورغم القصف والجوع والخوف، ظهرت أجمل صور التضامن الإنساني بين الناس.

  تقاسموا ما توفر لديهم من الدقيق والزيت والحطب والثلج الذين كان ياتي من مديريات المنصورة او الشيخ عثمان وحتى بطاريات الإضاءة.

  كان كل واحد يسأل عن الآخر ويطمئن عليه، وكأن الشدائد أعادت للناس أجمل معاني الرحمة والتكافل.

  كنت كثيرًا ما أسأل نفسي في تلك الأيام: من الذي زرع كل هذه المحبة بين الناس؟

كيف استطاعت هذه المدينة، وهي تحت النار والحصار، أن تحافظ على هذا القدر الكبير من الإنسانية؟

   لقد قدمنا أرواحنا فداءً لعدن، ولم نكتب حرفًا نتباهى به، فالوطنية ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُعاش وتضحيات تُقدَّم.

  لذلك لا يمكن أن تُختزل انتصارات ليلة 27 رمضان في اسم منتصرٍ سياسي أو مرحلةٍ عابرة؛ فذلك النصر كان ثمرة صمود الناس البسطاء، الذين صبروا وتحملوا الألم حتى جاء الفرج.

  وهكذا بقيت عدن، رغم الجراح، مدينةً تعرف كيف تنتصر… لأن أهلها يعرفون كيف يصبرون.