لا أتوقع من حزب الله أي دعم للحكومة والرئاسة في مفاوضات تعزز سيادة الدولة على كامل التراب الوطني .
ثمة سببان جوهريان لذلك: الأول، أن الحزب يؤدي مهمة عابرة للحدود بوصفه الذراع الأهم لإيران، إذ ارتبط مفهوم "المقاومة" لديه بأجندة طائفية إقليمية تتبع أيديولوجيا المرشد الأعلى، لا بتحرير الأرض . والثاني، أنه فرض وجوده جنوبًا تحت يافطة مقاومة الاحتلال، وبدعم إيراني غير محدود وتناغم مع النظام السوري السابق، أسس قوة عسكرية وأمنية واقتصادية موازية تغلغلت في مفاصل الدولة، مما أفضى إلى إضعافها وسلب قرارها السيادي وإفراغ وجودها الفعلي .
وهكذا أضحى الحزب الأقوى في لبنان بفعل سلاحه وتنظيمه وماله وإعلامه، متحكمًا بقرار الحرب والسلم وفق حسابات إقليمية باعتباره اهم اذرع إيران ، أو بناء ومقتضيات الحالة اللبنانية الداخلية .
اتفاق وقف إطلاق النار اليوم ، الذي يُسند للجيش اللبناني مهمة الانتشار في مناطق سيطرة الحزب لأول مرة، يُعد بداية مقوضة لهيمنته ومعززة للدولة، وهذا يحدث بالتوازي مع ما يعصف بالنظام الإيراني وأذرعه ، ودليل ذلك قرار العراق دمج الميليشيات الموالية لإيران في الجيش الرسمي .
لذا يُقرأ المشهد اللبناني في سياق استعادة الدولة إقليميًا، خاصة مع تفاهمات وشيكة بين واشنطن وطهران ستكون لها نتائج سلبية عميقة على إيران وأذرعها، وفي مقدمتها حزب الله .
اقتصاديًا، استعادة الجيش للحدود والمعابر يعني قطع شرايين الاقتصاد الموازي للحزب الذي حرم الخزينة مليارات الدولارات .
وعسكريًا، نشر الجيش وقوات دولية جنوب الليطاني يضرب نظرية "الجيش والشعب والمقاومة" التي طالما شرعنت سلاح الحزب خارج الدولة. أعتبر هذا الاتفاق، برعاية أمريكية، فاتحة أمل حقيقية لاستعادة هيبة الدولة اللبنانية، وبداية زوال كيان ظل شوكة في خاصرة لبنان دولةً ورئاسةً وحكومةً وشعبًا وقرارًا وسيادة .
إنها لحظة نادرة يُعاد فيها تعريف السيادة اللبنانية بعيدًا عن عباءة المرشد ، وقريبًا من تطلعات اللبنانيين في دولة فعلية آمنة مستقرة ، ولا استبعد مقاومة حزب الله وبكل ما بقي لديه ، فالاتفاق أعده بداية النهاية له ولنفوذه وسطوته لبنانيًا وإقليميًا.





