آخر الأخبار
الدكتور عبدالله العليمي يبحث مع كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تطورات اليمن والدكتور عبدالله العليمي يصل نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع مديرة صندوق النقد الدولي دعم الإصلاحات الاقتصادية في اليمنأسرة ضحيتي قضية قتل في أبين تدعو النائب العام إلى الإسراع في الفصل بالقضية وعدم تمييعها بالضغوط الإعلاميةمؤسسة الأمل تستهدف أوائل «حقوق عدن» ببرنامج الابتعاث الداخليد. خنبش: لا انقطاع للتيار الكهربائي بكليات جامعة حضرموتعاجل | تحذير أمني من عودة ظاهرة الباعة المتجولين إلى عدنرئيس المجلس الوطني لأبناء المهرة الشيخ عائد سعد كدة يتقدم موكب سيارات بالغيضة لرفض التهميش وتداعي الخدمات ودعومؤسسة الأمل بعدن تضع الذكاء الاصطناعي في صدارة تطوير التعليمرئيس مجلس القيادة يلتقي اللجنة الوطنية للتحقيق ويتسلم تقريرها الدوري الرابع عشربنك بن دول للتمويل الأصغر الإسلامي يفتتح فرعه الجديد في المنصورة بعدنمستشفى بانافع في الممدارة يفتتح قسم العمليات الجراحية بمعايير جودة عالية وبتجهيزات طبية حديثة ومتطورةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تطورات اليمن والدكتور عبدالله العليمي يصل نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع مديرة صندوق النقد الدولي دعم الإصلاحات الاقتصادية في اليمنأسرة ضحيتي قضية قتل في أبين تدعو النائب العام إلى الإسراع في الفصل بالقضية وعدم تمييعها بالضغوط الإعلاميةمؤسسة الأمل تستهدف أوائل «حقوق عدن» ببرنامج الابتعاث الداخليد. خنبش: لا انقطاع للتيار الكهربائي بكليات جامعة حضرموتعاجل | تحذير أمني من عودة ظاهرة الباعة المتجولين إلى عدنرئيس المجلس الوطني لأبناء المهرة الشيخ عائد سعد كدة يتقدم موكب سيارات بالغيضة لرفض التهميش وتداعي الخدمات ودعومؤسسة الأمل بعدن تضع الذكاء الاصطناعي في صدارة تطوير التعليمرئيس مجلس القيادة يلتقي اللجنة الوطنية للتحقيق ويتسلم تقريرها الدوري الرابع عشربنك بن دول للتمويل الأصغر الإسلامي يفتتح فرعه الجديد في المنصورة بعدنمستشفى بانافع في الممدارة يفتتح قسم العمليات الجراحية بمعايير جودة عالية وبتجهيزات طبية حديثة ومتطورة

الصين في حضرموت: حين يحتفظ المكان باسمه ويقاوم النسيان

الخميس القادم اي في الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري، تحل الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين اليمن والصين. سبعون عامًا تبدو، في حساب الزمن، فترة قصيرة أمام عمر الحضارتين، لكنها في حساب التاريخ الحديث كانت سبعة عقود حافلة بالتحولات الكبرى؛ تغيرت فيها أنظمة وخرائط وتحالفات، وسقطت دول وولدت دول، فيما ظلت خيوط الصداقة اليمنية الصينية ممتدة عبر الزمن.

   وحينما تكون جامعة حضرموت هي المستضيف للحدث فهذا يعني الكثير بالنسبة للمتخصص في فلسفة التاريخ والحضارة فثمة شيء عميق يجمع الصين بحضرموت، ليس التشابه في المساحة أو القوة أو طبيعة التجربة الحضارية، وإنما ذلك المعنى الذي يهمني كثيرًا في فلسفة التاريخ: قدرة المكان على الاحتفاظ باسمه وذاكرته رغم تعاقب الأزمنة والسلطات والتحولات. الصين اسم عابر للإمبراطوريات والسلالات والأنظمة السياسية. وحضرموت اسم عبر قرونًا طويلة من التاريخ اليمني والعربي دون أن يفقد دلالته. وفي الحالتين نحن أمام تجربة تقول إن الحضارة أعمق من السلطة، وإن الذاكرة أطول عمرًا من الأنظمة، وإن المكان قد يحتفظ بهويته حتى عندما تتبدل الخرائط من حوله.

  لكن العلاقة بين الصين واليمن أقدم بكثير من لحظة 1956. فقد كان اليمن جزءًا من شبكة الاتصالات التجارية القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا والهند والشرق الأقصى.

   وكانت طرق البحر والقوافل تحمل البضائع والأفكار والأخبار والثقافات، في عالم لم تكن فيه البحار حدودًا فاصلة بقدر ما كانت جسورًا تصل بين الحضارات.   

   وكانت عدن هي المدينة التي استقبلت اول وفد صيني بلغ التواصل بين الصين واليمن ذروته في عهد أسرة مينغ (1368–1644م)، ولا سيما في زمن الرحلات البحرية الكبرى التي قادها البحار المسلم تشنغ خه، والتي تعد من أضخم الرحلات البحرية في تاريخ العالم القديم.

   وقد وصلت إحدى رحلاته إلى ميناء عدن عام 1416م، لتفتح نافذة صينية نادرة على اليمن، وتترك لنا وثائق تكشف كيف كانت عدن تبدو في عين القادم من أقصى الشرق.

   وصف الوفد الصيني مدينة عدن بهذه الكلمات المعبرة " تظهر عدن مدينة بحرية عامرة، تقوم أسوارها من الصخر، ومبانيها من الحجارة المرجانية متعددة الطوابق، ويعيش أهلها في رخاء، وتمتد فيها الأسواق والحرف والتجارة. ويلفت الوصف النظر إلى أزياء الرجال والنساء وحلي النساء وطرائق احتجابهن، كما يرسم صورة لعالم حيواني وتجاري غني: الأغنام، والجمال، والحمير، والنعام، والفهود، إلى جانب الذهب والفضة وسائر السلع" والأكثر دلالة أن الوثيقة تسجل حضور البضائع الصينية في أسواق عدن، من الحرير الملون والخزف الصيني الأبيض والأزرق إلى خشب الصندل والفلفل والتوابل.

   هكذا تبدو عدن في عين الرحالة الصيني: مدينة على تخوم البحر، لكنها في قلب العالم؛ ميناءً تتقاطع فيه الطرق والبضائع والثقافات، ويصبح فيه البحر جسرًا بين الصين واليمن، وبين الشرق والشرق.

   وهكذا كانت المكلا عروس بحر العرب؛ كانت فضاءً مفتوحًا على البحر، وعلى طرق التجارة والهجرة، وعلى العالم. خرج منها التجار والبحارة والمهاجرون إلى شرق أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا، وحملوا معهم اللغة والثقافة والدين، كما عادوا محملين بآثار العوالم التي وصلوا إليها.

   ولذلك فإن الحديث عن الصين وحضرموت ليس استدعاءً لرابطة عابرة، وإنما هو استعادة لذاكرة أوسع: ذاكرة المحيط الهندي الذي كان فضاءً للتواصل بين الحضارات قبل أن نعرف مفهوم العولمة بقرون طويلة.

   أما في التاريخ الدبلوماسي الحديث، فقد بدأت الصفحة الرسمية الجديدة في 24 سبتمبر 1956، حين أقامت جمهورية الصين الشعبية علاقات دبلوماسية مع المملكة المتوكلية اليمنية على مستوى الوزير المفوض. وكان اليمن آنذاك من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات مع جمهورية الصين الشعبية، بل كان أول دولة في شبه الجزيرة العربية وثالث دولة عربية تفعل ذلك. وفي عام 1958 وقع البلدان معاهدة صداقة واتفاقات للتعاون التجاري والفني والثقافي، كما ارتبطت تلك المرحلة بمساعدات وقروض صينية ومشروعات تنموية في اليمن.

   ومن أبرز ما ارتبط بالتعاون الصيني في تلك المرحلة مشروع طريق صنعاء–الحديدة ومصنع الغزل والنسيج في صنعاء. ثم تطورت العلاقات في 1963 إلى مستوى السفراء مع الجمهورية العربية اليمنية، قبل أن تقيم الصين علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 31 يناير 1968.

  وبعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، أصبح تاريخ 24 سبتمبر 1956 هو التاريخ المعتمد للعلاقات بين الصين واليمن الموحد. وهكذا فإن سبعين عامًا من العلاقات الرسمية ليست مجرد رقم في تقويم الدبلوماسية؛ إنها فصل من تاريخ بلدين عرفا معنى التحول، لكنهما حافظا على خيط من التواصل.

   وحين أتأمل هذه المسيرة، أجد أن أجمل ما فيها ليس فقط ما أنجزته الحكومات من اتفاقيات ومشروعات، وإنما ما تكشف عنه من حقيقة أعمق: أن العلاقات بين الشعوب تستطيع أن تعيش أطول من الظروف السياسية التي أنشأتها.

لقد مرت اليمن والصين بتحولات عميقة خلال العقود السبعة الماضية. تغيرت أنظمة الحكم، وتبدلت الظروف الإقليمية والدولية، وأعيد تشكيل اليمن دولة واحدة عام 1990، بينما واصلت الصين مسيرتها التاريخية في التحول وإعادة البناء، ومع ذلك ظل اسم البلدين حاضرًا في ذاكرة الآخر.

   وهنا تعود بي الذاكرة إلى حضرموت. فحضرموت ليست مجرد ماضٍ أثري يمكن وضعه في خزائن المتاحف. إنها تاريخ حي؛ تاريخ ما زال يتحدث من خلال المكان والاسم واللهجة والعمارة والهجرة والذاكرة. وفيها يستطيع الباحث أن يرى التاريخ لا بوصفه نصًا مكتوبًا فقط، وإنما بوصفه زمنًا متجسدًا في المكان. ولهذا فإنني لا أرى في المقارنة بين الصين وحضرموت بحثًا عن تطابق بين تجربتين مختلفتين تمامًا، وإنما أبحث عن سؤال مشترك: كيف تستطيع الحضارة أن تقاوم النسيان؟ الصين تجيب بطريقتها: يمكن للحضارة أن تتغير دون أن تفقد ذاكرتها. وحضرموت تجيب بطريقتها: يمكن للمكان أن يتغير دون أن يفقد اسمه.

   وبين الصين وحضرموت يقف البحر شاهدًا على أن التاريخ لم يكن يومًا حركة في اتجاه واحد. فالأفكار والبضائع والناس والثقافات تحركت في اتجاهات متعددة، وكان اليمن، بحكم موقعه عند باب المندب وعلى تخوم المحيط الهندي، جزءًا من هذه الحركة العالمية القديمة. ولعل هذا ما يجعل الاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات اليمنية الصينية مناسبة تتجاوز الاحتفال الدبلوماسي نفسه.

   إنها فرصة لإعادة قراءة الماضي من أجل فهم المستقبل. فالعالم اليوم يعود إلى أهمية الممرات البحرية والموانئ وطرق التجارة، ويعيد اكتشاف حقيقة قديمة: أن الجغرافيا لا تموت، وأن المواقع الاستراتيجية لا تفقد أهميتها لمجرد تغير العصور. وهنا تبرز اليمن، ويبرز باب المندب، وتبرز حضرموت، لا بوصفها مجرد أسماء على الخريطة، وإنما بوصفها أجزاء من تاريخ عالمي أوسع.

   لقد علمتنا الصين أن الحضارة ليست لحظة عابرة، وأن الدولة التي تمتلك ذاكرة تاريخية تستطيع أن تعيد بناء نفسها مرات عديدة. وتعلمنا حضرموت أن المكان الذي يحتفظ باسمه قادر على الاحتفاظ بشيء من روحه، مهما عصفت به التحولات. لذلك، حين نحتفل غدًا بسبعين عامًا من العلاقات اليمنية الصينية، لا ينبغي أن ننظر فقط إلى الوراء. ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا يمكن أن يصنع هذا التاريخ للمستقبل؟ إن أفضل تكريم لسبعين عامًا من الصداقة ليس أن نكرر ما قيل عنها، وإنما أن نفتح لها أفقًا جديدًا في التعليم والثقافة والبحث العلمي والتجارة والتنمية والتواصل بين الشعوب. فالعلاقات التي تستند إلى ذاكرة تاريخية عميقة تستطيع أن تصبح أكثر من علاقات دبلوماسية؛ يمكنها أن تتحول إلى جسور بين حضارتين، وبين شعبين، وبين ضفتي عالم طالما جمعهما البحر.

   ختاما حينما اكون في حضرموت تحديدًا، أشعر أن الماضي لا يطلب منا أن نبكي عليه، وإنما أن نفهمه؛ فالحضارة التي تعرف كيف تقرأ تاريخها، تعرف كيف تكتب مستقبلها.

  وهنا تلتقي الصين وحضرموت في درس تاريخي عميق: لم تبقَ الصين لأنها لم تتغير، ولم تبقَ حضرموت لأنها لم تتغير، وإنما بقيتا لأن التغير لم يستطع أن يمحو الذاكرة.

   سبعون عامًا من العلاقات اليمنية الصينية ليست بداية القصة، بل فصل حديث من قصة أقدم، قصة طرق بحرية وتجار وموانئ وثقافات اكتشفت منذ وقت مبكر أن العالم لا يُبنى بالجدران، وإنما بالجسور التي تصل البشر ببعضهم. ولهذا جئت إلى حضرموت لا لأبحث عن حضارة ماتت، بل لأستمع إلى حضارة ما زالت تتحدث.

 حضرموت ليست فقط ما كان؛ إنها ما بقي وما يمكن أن يكون.

   فمبارك لليمن والصين سبعون عامًا من الصداقة، ومبارك لحضرموت هذا الاسم الذي قاوم النسيان، ليظل التاريخ قادرًا على الكلام، والمستقبل مفتوحًا على الأمل.