آخر الأخبار
تصريح صادر عن وزارة المياه والبيئة استهداف ناقلة نفط قبالة مدينة المخا وتهديد البيئة البحرية في البحر الأحمرقراءة متأنية في كتاب الشعب بوزن الذهب ..للقحوم وباحشوانازدواجية المعايير في هذه الوزارة مركز الملك سلمان للإغاثة ينفّذ مشروع “نور السعودية” التطوعي لمكافحة العمى والأمراض المسببة له في مدينة عدنإصلاح عاجل لكابلات كهرباء محطة الرصافي، يعزز استقرار الخدمةالشيخ علي الزويدي لـ"الاتحادنت": انتهى زمن الوساطات.. وقرارات منع إطلاق النار في سيحوت نافذة بلا استثناءمحافظ أبين يضع حجر الأساس لوحدات الجوار السكنية ويعلن بدء تمكين المواطنين من أراضيهمهيئة أراضي أبين تنشر أسماء المواطنين الدفعة الأولى للمشمولين باستلام أراضي منطقة العلمثمانية_أشهر_من_الانتظار... إلى متى؟حين لوّح مودعًامؤسسة PASS تنظم الطاولة المستديرة الثانية بعدن ضمن مشروع دعم المشاركة العادلة للنساء في مسارات السلام وصنع القوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تعزي الوزير الأسبق الدكتور حسين باسلامة في وفاة نجلهتصريح صادر عن وزارة المياه والبيئة استهداف ناقلة نفط قبالة مدينة المخا وتهديد البيئة البحرية في البحر الأحمرقراءة متأنية في كتاب الشعب بوزن الذهب ..للقحوم وباحشوانازدواجية المعايير في هذه الوزارة مركز الملك سلمان للإغاثة ينفّذ مشروع “نور السعودية” التطوعي لمكافحة العمى والأمراض المسببة له في مدينة عدنإصلاح عاجل لكابلات كهرباء محطة الرصافي، يعزز استقرار الخدمةالشيخ علي الزويدي لـ"الاتحادنت": انتهى زمن الوساطات.. وقرارات منع إطلاق النار في سيحوت نافذة بلا استثناءمحافظ أبين يضع حجر الأساس لوحدات الجوار السكنية ويعلن بدء تمكين المواطنين من أراضيهمهيئة أراضي أبين تنشر أسماء المواطنين الدفعة الأولى للمشمولين باستلام أراضي منطقة العلمثمانية_أشهر_من_الانتظار... إلى متى؟حين لوّح مودعًامؤسسة PASS تنظم الطاولة المستديرة الثانية بعدن ضمن مشروع دعم المشاركة العادلة للنساء في مسارات السلام وصنع القوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تعزي الوزير الأسبق الدكتور حسين باسلامة في وفاة نجله

حين تُغتال الكلمة ويترجل شاهد الحقيقة

   عندما تُغتال الكلمة، وتُذبح الصورة، ويُكسر القلم، ويُستهدف الرأي الحر والشاهد الصادق، فإن الفاجعة لا تصيب أسرةً بعينها أو مؤسسة إعلامية فحسب، بل تصاب الحقيقة ذاتها، هكذا رحل الصحفي والمصور الميداني محمد عيضة، مراسل شبكة قناتي "العربية" و"الحدث"، شهيدًا للكلمة والصورة، بعد أن استهدفته يد الغدر بعبوة ناسفة في مدينة المكلا، لتطوي صفحة صحفيٍ عاش عمره باحثًا عن الحقيقة، ودفع ثمنها من دمه وحياته.

   واستشهد عيضة، البالغ من العمر أربعين عامًا، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت أسفل مقعد سيارته الشخصية، وانفجرت أثناء مروره بالقرب من شارع الستين بمدينة المكلا، ما أدى إلى وفاته على الفور متأثرًا بإصاباته البالغة، وجاءت الجريمة بعد سنوات من التهديدات والملاحقات التي تعرض لها بسبب عمله الإعلامي المهني والجريء في نقل الحقيقة من الميدان.

   وفي تفاصيل مؤلمة، كان الشهيد قد أوصل أسرته وأطفاله إلى منزلهم قبل وقت قصير من وقوع الجريمة، ثم غادر للقاء أحد أصدقائه، غير مدرك أن تلك الرحلة ستكون الأخيرة في حياته، وأن من تزعجهم الحقيقة كانوا قد أعدوا له كمينًا غادرًا لينفذوا جريمة هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهز الوسط الإعلامي.

   لقد عرفته محمد من خلال حديث الزملاء والأصدقاء عنه واحببت أخلاقه ، كان حديث الجميع عنه حديثًا عن الأخلاق الرفيعة والتواضع والإنسانية والوفاء ،كان رجلًا يحمل قلبًا كبيرًا في صورة صحفي، ويمثل نموذجًا نادرًا للإعلامي الذي جمع بين المهنية العالية والخلق الكريم، حتى أصبح حضوره محل احترام كل من عمل معه أو عرفه عن قرب.

   وينحدر الشهيد محمد عيضة من قرية بني عون بمديرية شرعب السلام بمحافظة تعز، حيث ولد عام 1986 في أسرة بسيطة كادحة، وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مسقط رأسه، قبل أن ينتقل إلى العاصمة صنعاء ويلتحق بكلية الإعلام بجامعة صنعاء، قسم الإذاعة والتلفزيون، ليبدأ رحلته مع المهنة التي أحبها وأخلص لها حتى آخر لحظة من حياته.

   بدأ عيضة مسيرته المهنية مصورًا ميدانيًا في عدد من القنوات الفضائية، بينها "السعيدة" و"اليمن الفضائية" و"الحرة" و"الغد المشرق"، قبل أن يصبح مراسلاً لشبكة "العربية" و"الحدث" حيث غطى الأحداث السياسية والأمنية والإنسانية في حضرموت والمهرة وسقطرى بكفاءة وشجاعة ومهنية عالية.

   لكن طريقه لم يكن مفروشًا بالنجاح وحده ففي عام 2018 تعرض لملاحقات وانتهاكات من قبل مليشيات الحوثي التي اقتحمت منزله في صنعاء، وروّعت أسرته ونهبت ممتلكاته، واختطفت اثنين من أشقائه للضغط عليه بسبب نشاطه الإعلامي، ما اضطره إلى النزوح قسرًا إلى مدينة المكلا، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته بعيدًا عن موطن إقامته، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن رسالته المهنية.

   وفي المكلا، رسّخ محمد عيضة مكانته كواحد من أبرز الصحفيين الميدانيين في اليمن، لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان "الصحفي الشامل" الذي يجمع بين التصوير الاحترافي والإعداد والتقديم وصناعة القصة الإنسانية، وترك خلفه مكتبة مرئية ضخمة وثّقت جغرافيا وسياحة وطبيعة شرق اليمن وأرخبيل سقطرى، كما نقل للعالم معاناة النازحين وآلام البسطاء، ووثق محطات أمنية وإنسانية مفصلية في تاريخ المنطقة.

   ومن أبرز أعماله تغطيته الشجاعة لإعصار "تيج" في محافظة المهرة، حيث خاطر بحياته لينقل الصورة كما هي، مؤمنًا بأن الصحافة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون مهنة.

   ورغم نجاحاته المهنية، ظل محمد عيضة أبًا محبًا وزوجًا وفيًا رحل أبو شرعب تاركًا خلفه زوجة مكلومة، وابنه الوحيد شرعب الذي حمل اسم مسقط رأس والده اعتزازًا وانتماءً، وثلاث بنات كنّ زينة حياته وبهجة أيامه، عاش من أجلهم، وكافح لتأمين مستقبلهم رغم مرارة النزوح والملاحقة والمخاطر التي أحاطت بعمله، ليترك رحيله جرحًا عميقًا في قلوبهم بعد أن فقدوا الأب والسند والمعيل في لحظة غادرة لم تمنحهم حتى فرصة الوداع الأخير.

  وقد أثارت جريمة اغتياله موجة واسعة من الإدانات الرسمية والشعبية والإعلامية، حيث وجّهت القيادة السياسية بتشكيل لجنة تحقيق عليا لكشف ملابسات الجريمة وملاحقة المتورطين فيها، فيما طالبت نقابة الصحفيين والجهات الحقوقية بسرعة تقديم الجناة للعدالة وضمان حماية الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي.

   إن اغتيال محمد عيضة لا يمثل استهدافًا لشخصه فحسب، بل استهدافًا للكلمة الحرة والصحافة المهنية وحق المجتمع في المعرفة، فحين يصبح الصحفي هدفًا للمتفجرات لأنه ينقل الحقيقة، فإن الخطر يتجاوز الفرد ليطال قيم الحرية وحق الناس في الوصول إلى المعلومة. برحيل محمد عيضة، خسر اليمن واحدًا من أنبل أبنائه الإعلاميين، وخسرت الكاميرا عينًا كانت ترى وجع الناس وتنقله بصدق، لكن ما تركه من إرث مهني وإنساني سيبقى حيًا في ذاكرة زملائه ومحبيه، وفي كل صورة التقطها، وكل قصة رواها، وكل حقيقة سعى إلى إيصالها. 

   لقد اغتالوا الجسد، لكنهم لن يستطيعوا اغتيال الرسالة، فالشهود الصادقون يرحلون، غير أن أثرهم يبقى حيًا في ضمير الأوطان، وتظل الكلمة الحرة أقوى من الخوف، وأبقى من الغدر، وأخلد من القتلة، رحم الله أبا شرعب، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته ومسيرته شاهدتين على أن الحقيقة قد تُستهدف، لكنها لا تموت.