أثار إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، في خطابه المتلفز مساء الاثنين 20 يوليو، بشأن استئناف تصدير النفط، تساؤلات واسعة حول الخلفيات الحقيقية لهذا القرار. فقد قال: "انطلاقًا من مسؤوليتنا في تخفيف معاناة المواطنين، نعلن العمل على استئناف تصدير النفط بكل الوسائل، ابتداءً من اليوم، وتوجيه جميع عائداته لخدمة الشعب اليمني، وفي مقدمة ذلك الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، ودعم الاستقرار الاقتصادي...الخ."
ورغم أهمية هذا الإعلان، فإن صياغته جاءت عامة ومفتوحة على أكثر من تفسير، ما أثار تساؤلات مشروعة: هل يعكس القرار تحولًا في موازين القوة وقدرة الحكومة على حماية منشآت التصدير وناقلات النفط؟ أم أنه جاء نتيجة تفاهمات أو تنازلات فرضتها الظروف السياسية والمفاوضات الجارية؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى أكتوبر 2022، عندما استهدفت جماعة الحوثي ميناء الضبة بطائرتين مسيرتين بالتزامن مع اقتراب ناقلة نفط كانت تستعد لتحميل شحنة للتصدير. وأسفر الهجوم عن تعطيل عمليات التصدير وإلحاق أضرار كبيرة بالميناء، قُدرت، وفق المصادر الرسمية، بنحو 60 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين توقفت صادرات النفط، في ظل تهديدات متكررة من الحوثيين باستهداف أي منشأة أو ناقلة تُستخدم لتصدير النفط من المحافظات المحررة.
وخلال جولات التفاوض التي رعتها الأمم المتحدة، تمسكت جماعة الحوثي بشرط حصولها على 80% من عائدات النفط، بدعوى تخصيصها لصرف الرواتب، وهو شرط رفضته الحكومة باستمرار. لكنها، في المقابل، لم تكن تمتلك القدرة الكافية لضمان حماية المنشآت النفطية أو تأمين حركة الناقلات، الأمر الذي جعل استئناف التصدير أمرًا بالغ الصعوبة.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي تغير حتى تعلن الحكومة استعدادها لاستئناف التصدير؟
ويأتي هذا الإعلان بعد أيام فقط من تصريح للرئيس العليمي، عقب حادثة اختراق طائرة تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية للأجواء اليمنية وهبوطها في صنعاء، قال فيه: "لن تروا بعد اليوم أي طائرة إيرانية تخترق الأجواء اليمنية." وبالفعل، تراجعت إحدى الرحلات الإيرانية يوم السبت الموافق 18يوليو2026م إلى طهران بعد تحذيرات حكومية باستخدام القوة. وفي الوقت نفسه، تتحدث تقارير عن مباحثات غير معلنة بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، بوساطة خليجية في مسقط، لبحث سبل التوصل إلى تفاهمات بشأن الملف اليمني.
هذا التزامن بين التصريحات السياسية والتطورات الميدانية يفتح الباب أمام أكثر من قراءة، ويجعل من الصعب الجزم بالدافع الحقيقي وراء إعلان استئناف تصدير النفط.
في المحصلة، لا يخرج المشهد عن احتمالين رئيسيين: الأول أن يكون القرار ثمرة تفاهمات سياسية تضمنت تنازلات متبادلة، والثاني أن تكون الحكومة قد امتلكت بالفعل الوسائل العسكرية والأمنية الكفيلة بحماية المنشآت النفطية وتأمين عمليات التصدير.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى الواقع وحده هو الكفيل بالإجابة عن السؤال الأهم: هل يمثل إعلان استئناف تصدير النفط بداية مرحلة جديدة تستند إلى امتلاك أدوات القوة، أم أنه ثمرة تسوية فرضتها موازين السياسة أكثر مما فرضتها موازين الميدان
؟





