خلال اليومين الماضيين، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالحديث والتعبير عن الرفض الشديد لتدشين سوق للقات في مدينة تريم بشكل رسمي. هذه النبتة التي دخلت حضرموت بشكل واسع بعد وحدة 22 مايو 1990 الظالمة، والتي تمثل النكبة الثانية لحضرموت قسراً، إضافـة إلى النكبة الأولى عندما ضمت إلى الجنوب عام 1967؛ بل حتى في عهد الاستعمار، كان من يتعاطى القات يخرج لتناوله خارج حدود مدينة عدن إلى لحج.
ورغم أن القات كان ممنوعاً في دولة الجنوب وفي حضرموت، إلا أن حكومة الوحدة – أو من عمل على تطبيق سياساتها – سمحت بدخول القات بشكل واسع إلى قرى ومدن حضرموت؛ بهدف طمس الثقافة الحضرمية المعادية للقات. لاشك أن القات قد توغل اليوم في حضرموت، وأصبح عديد من الناس يشترونه من الأسواق رغم ارتفاع أسعاره، غير مبالين بما يُنفق من أموال باهظة في شرائه على حساب حاجات البيوت والأسر الأساسية.
وقد انتشرت أسواق القات في كل مدن حضرموت وقراها وشوارعها، وأصبح الشاب المتعاطي ينهض من نومه مفكراً كيف يجد قيمة القات، والبعض الآخر من ميسوري الحال لا يهمه السعر ولا القيمة. ولكن المؤسف والمستغرب حقاً، أن يتم افتتاح سوق للقات في قلب مدينة تريم، وهي مدينة المساجد والأربطة الدينية والعلم، بمباركة مسؤولي المديرية، وهو أمر لا نرتضيه لمدينة المساجد والعلم.
ولهذا السبب، استنكر الجميع افتتاح هذا السوق، على الرغم من أن نسبة من يتعاطون القات في حضرموت لا تتعدى واحداً في المائة من إجمالي السكان، هذا الفعل ما هو إلا امتداد للغزو الموجه إلى حضرموت؛ لتعميم ظاهرة القات حتى يصبح الشباب مدمنين عليها، وفي الأخير ينعكس ذلك على كل جوانب الحياة، ويؤثر سلباً في سلوك الناس متجاوزاً القيم والأخلاق.
في المحافظات الشمالية، اعتاد الناس على القات الذي يزرع في أراضيهم على حساب زراعة المواد الغذائية والخضار والفواكه، حيث يُعتبر سلعة نقدية مباشرة ذات مردود اقتصادي، وجزءاً من ثقافة مجتمع الشمال منذ قرون مضت. أما في حضرموت، فالقات مستورد، وإنشاء أسواق له في مدينة تريم – مدينة الأربطة الدينية ودار المصطفى الذي يأتي إليه طلاب العلم من كل دول العالم – وفتح سوق لبيع هذه الشجرة الخبيثة المدمرة للشباب والأسر والمجتمع، هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، ويشوه مكانة تريم وحضرموت عموماً.
من هذا المنطلق، فإننا نطالب المراجع الدينية في تريم بأن تُصدر استنكاراً رسمياً وفتوى شرعية لكبح جماح انتشار القات وأسواقه في المدينة، وتوضيح ما يمثله من بلاء وضياع لكل من يتعاطاه، فضلاً عن الأخطار الصحية الجسيمة الناتجة عن سوء استخدام الأسمدة والمبيدات المحرمة دولياً التي تُرش بها النبتة لضمان سرعة إنتاجها دون رادع.
كما نطالب سلطة الدولة في حضرموت بالتدخل الفوري لإصدار قرارات تقضي بإغلاق سوق قات تريم وغيرها من الأسواق داخل المدن الحضرمية. ولا يكفي ذلك فحسب، بل نطالب بقرارات حكومية جادة تمنع القات منعاً باتاً في مدن حضرموت وقراها، بل ويكون بيع وتداول أسواق القات خارج حدود حضرموت بالكامل.
وهنا نتساءل: هل تستطيع السلطة في حضرموت فعل ذلك، أم أنها لا حول لها ولا قوة؟
إن التساهل في هذا الأمر سيجعل ظاهرة التعاطي تعم حضرموت، وتنعكس سلبياتها على انتشار الرشوة والسرقة وغيرها من السلوكيات غير الحميدة في المجتمع الحضرمي. نأمل أن تكون هناك استجابة جادة وعاجلة من الجهات ذات العلاقة.
والله من وراء القصد







