ازدواجية الشمال ومناطقية الجنوب

فارس العدني

 

تتعرض القضية الجنوبية اليوم لواحدة من أخطر محاولات التفريغ من مضمونها، هذا النهج لم يبدأ من فراغ، ولم يكن أول تجلياته مطالبات بعض أبناء حضرموت بدولة مستقلة أو بحكم ذاتي، وهي مطالب لها أسبابها ودوافعها المرتبطة بتجارب التهميش والخصوصية التاريخية والجغرافية، غير أن الخطر الحقيقي ظهر لاحقًا مع تكريس اللقاءات الجهوية لقيادات جنوبية عليا داخل المجلس الرئاسي، حيث تمترس كل طرف خلف محافظته ومنطقته، في سلوك سياسي يفتح الباب واسعًا أمام مطالب مماثلة بتعيين ممثلين عن كل محافظة، أسوة بما تمارسه قيادات رسمية يفترض أنها تمثل الجنوب كاملًا، إن لم نقل تمثل الوطن بأسره. هذا النهج لا يضرب فكرة التمثيل الوطني فحسب، بل يعيد صياغة الجنوب ككيانات متنافسة لا كقضية جامعة، ويحرف الحوار عن مساره الطبيعي بوصفه أداة توحيد ليغدو ساحة استنزاف مناطقي وسياسي. ويأتي هذا المسار متزامنًا مع تحريض إعلامي ونفسي ممنهج انتهجته نخب الشمال لاستهداف التوجه السعودي الساعي إلى إنجاح الحوار الجنوبي الجنوبي، عبر بث الشكوك وإشعال روح الشقاق بين مكونات الجنوب ومناطقه، تحت ذريعة الحرص على وحدة اليمن، في مفارقة فاضحة لوحدة مزقها الحوثي بالقوة والسلاح وهم يدركون ذلك تمام الإدراك، لكنهم كعادتهم يصرفون عداءهم وحقدهم باتجاه الجنوب لا باتجاه من انقلب على الدولة وأسقط مؤسساتها. والأكثر تناقضًا أن هذه النخب تمارس عمليًا فصل حضرموت في خطابها التحريضي وسردياتها السياسية، وتدفع باتجاه عزلها عن محيطها الجنوبي، في الوقت الذي تتشبث فيه نظريًا بشعار وحدة اليمن، في ممارسات انتهازية فجّة لا تعكس أي نضج سياسي ولا رغبة حقيقية في بناء صيغ تعايش أو سلام بين أبناء الوطن، بقدر ما تعكس عقلية مأزومة لا تجيد سوى صناعة الأزمات والاقتات على الفتن وإدامتها. إن استمرار هذا النهج لا يفرغ الحوار الجنوبي الجنوبي من مضمونه فحسب، بل يهدد جوهر القضية الجنوبية ذاتها، ويحولها من قضية سياسية عادلة ذات بعد وطني وتاريخي إلى ساحة صراعات جانبية تخدم خصوم الجنوب أكثر مما تخدم أبناءه، وتعيد إنتاج المأزق بدل الخرو منه