بقلم: فارس العدني
يدخل الملف اليمني في الربع الثاني من عام 2026 منعطفاً هو الأخطر والأكثر تعقيداً منذ اندلاع الأزمة. فالمشهد الذي كان يُقرأ سابقاً كصراع بين شرعية ومعارضة مسلحة، استحال اليوم إلى معادلة جيوسياسية متداخلة الأطراف، تتجاوز الجغرافيا اليمنية لتشابك مع أمن الممرات المائية الدولية، وطموحات القوى الإقليمية، وتقلبات الإرادة الدولية في واشنطن.
التحول في المقاربة السعودية من الحسم إلى الهندسة
شهدت السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية تحولاً جوهرياً في إدارتها للملف اليمني إذ انتقلت من استراتيجية التدخل العسكري المباشر إلى دور المهندس لاتفاقات السلام. هذا التحول ليس تراجعاً، بل هو إعادة تموضع براجماتية تهدف إلى حماية مكتسبات "رؤية 2030" الاقتصادية. فالرياض اليوم تسعى لتصفير الأزمات الحدودية عبر حوار مباشر ومكثف مع جماعة الحوثي، يرتكز على مبدأ الأمن مقابل الاقتصاد أي تأمين الحدود والعمق السعودي مقابل تسهيلات اقتصادية تشمل الرواتب والموانئ.
الرياض وإعادة ترتيب "البيت الجنوبي"
في خضم هذا الحوار، تبرز التحركات السعودية الأخيرة في تجميع القوى الجنوبية وحضرموت في الرياض كخطوة استباقية وضرورية. الغاية من هذا التحشيد السياسي ليست إقصاء طرف لحساب آخر، بل هي محاولة لخلق "توازن قوى" يمنع انزلاق الجنوب نحو الفوضى أو الانفراد بالقرار السيادي. إن الهدف المخطط له مستقبلاً هو ضمان وجود جبهة عريضة وموحدة تمتلك شرعية الأرض والتوافق، لتكون نداً سياسياً في أي مفاوضات نهائية مع الشمال، ولضمان عدم تحول "فراغ السلطة" في الجنوب إلى تهديد للأمن القومي الخليجي.
واشنطن والشركاء الإقليميين: تقاطع المصالح
لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن سياسة وتحولات الرئيس دونالد ترامب وتأثيراتها. فبينما تدعم إدارة ترامب التوجهات السيادية للدول الحليفة، إلا أنها تضع أمن الملاحة في البحر الأحمر كأولوية قصوى. هذا الموقف يضع الحوار "السعودي-الحوثي" تحت ضغط دولي فالمجتمع الدولي لن يبارك اتفاقاً لا يضمن كف يد الجماعة عن تهديد الممرات المائية. وفي الوقت ذاته، تبرز التباينات في المواقف الإقليمية (كما هو الحال في التنافس النفطي والسياسي الأخير) لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، حيث تسعى كل قوة لضمان موطئ قدم في يمن ما بعد الحرب.
الغاية النهائية: يمن اتحادي أم انفصال منظم؟
إن الهدف المخطط له مستقبلاً، والذي تسعى إليه الدبلوماسية الهادئة، هو الوصول إلى "سلام بارد" ومستدام. سلام يرتكز على نظام اتحادي مرن يمنح الأقاليم (خاصة الجنوب وحضرموت) استقلالية إدارية ومالية واسعة، مما قد يمهد الطريق لمستقبل يتحدد فيه مصير الوحدة عبر آليات سياسية سلمية، بعيداً عن أزيز الرصاص.
وخلاصة القول إن أزمة اليمن اليوم لم تعد تنتظر منتصراً و مهزوماً بل تنتظر تسوية شجاعة تدرك أن استقرار المنطقة يبدأ من يمن مستقر ومندمج اقتصادياً في محيطه الخليجي. إن نجاح الرياض في موازنة علاقتها مع الحوثيين من جهة، وتوحيد القوى الجنوبية من جهة أخرى، هو الاختبار الحقيقي لقدرة المنطقة على قيادة حلولها الذاتية بعيداً عن التدخلات الخارجية العابرة للقارات.