ليس كل ما تطرحه وزارة التربية اليمنية بحجة "النظام" يكون نظامياً. فما حدث خلال الأيام الثلاثة الماضية، من استبعاد طالبة متفوقة بسبب جنسيتها، ومحاولة تبرير حرمان طالب كفيف من حقه المشروع، يكشف عن فجوات تنظيمية عميقة، وتبريرات متهاوية، تعكس أزمة مؤسسية حقيقية لا يمكن تمريرها تحت عنوان "الأخطاء التقنية" أو "اللوائح الداخلية".
بدأت القصة الأولى يوم الجمعة 28 أغسطس، عندما تسرب خبر استبعاد الطالبة "رؤى محمود شيخ" من قائمة أوائل الجمهورية والمهرة، رغم حصولها على معدل 99.25%.
والدها محمود يروي أنه تفاجأ بغياب اسمها يوم الخميس، وعند الاستفسار قيل له إنها شُطبت بقرار من الوزارة حتى "لا يكون لها أولوية في المنح والمقاعد المجانية" بحجة جنسيتها السورية.
بينما أصر مسؤولو التربية في المهرة على تحميل الوزارة المسؤولية، امتنع ديوان الوزارة في عدن عن الرد.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، خرج نائب الوزير ببيان حاول فيه تبرير الأمر باعتبارها ضمن فئة "الطلاب الوافدين"، وهو تبرير هش سرعان ما تفنيده من قبل المستشار القانوني فؤاد بن جرادي، الذي أكد عدم وجود أي نص تشريعي يمنع إعلان اسم طالب أجنبي بين الأوائل، معتبراً الإجراء مخالفاً للقانون والمواثيق الدولية.
غير أن المفاجأة الأكبر كانت في مساء الأحد 30 أغسطس، حين تراجعت الوزارة عن تبريرها الأول، وأصدرت بياناً جديداً زعمت فيه أن سقوط اسم رؤى لم يكن إلا "خطأً تقنياً وفنياً".
هنا يتدخل المهندس البرمجي "أسعد" ليكشف زيف هذه الذريعة، مؤكداً أن خوارزميات الفرز في قواعد البيانات لا تخطئ بهذا الشكل إلا بوجود فلتر برمجي مُعد مسبقاً لاستبعاد فئات معينة، أو بتدخل بشري مباشر.. النظام لا يسهو، وما حدث هو قرار إداري واضح.
على الجانب الآخر، وفي محافظة لحج، تتشابه الآليات لكن بثوب آخر.
الطالب الكفيف ماجد عبدالمحسن، الذي خاض الامتحانات دون أي تسهيلات تذكر، حصل على معدل 97%، ليُسقط اسمه أيضاً من قائمة الأوائل.
بيان الوزارة هنا برر الأمر بأن ماجد خاض الامتحانات وفق نماذج الطلاب العاديين وليس نماذج المكفوفين الخاصة، واعتبرت ذلك مخالفة للوائح، مع الإشارة إلى أنها "تفضلت" بعدم إلغاء نتيجته، وقررت تكريمه ضمن فئة ذوي الإعاقة.
هذا التبرير لم يصمد أمام الرد المفحم الصادر عن جمعية المكفوفين بلحج، الذي فضح التناقض الإداري بوضوح.
فالجمعية أكدت أنه منذ تأسيسها لم تُخصص الوزارة أي نماذج امتحانية خاصة بالمكفوفين في لحج، وأن طلابًا أكِفَّاء سابقين رسُبوا في مادة الرياضيات بسبب إلغاء إعفائهم الوزاري في العام 2014، دون أن يتحمل أحد المسؤولية.
وتساءلت الجمعية بحق: إذا كانت الوزارة هي المخالفة لأدبياتها بعدم توفير النماذج الخاصة طوال السنوات، فكيف تحتج بها اليوم ضد الطالب ماجد؟ وإن كان الامتحان الذي أداه هو نفسه الامتحان الرسمي المتاح، فلماذا يُعاقب على خطأ الوزارة؟
لم تكن قضيتا رؤى وماجد مجرد انتزاع حقّ بقوة الرأي العام، بل كانتا إنذاراً واضحاً بانهيار المصداقية الإدارية في قطاع التربية.
إن تبرير الفشل بالتقنية، وإخفاء اللوائح حتى تُكتشف بالصدفة، والمناورة على حساب المكفوفين، كلها ممارسات تستوجب أكثر من مجرد تصحيح مؤقت.
إن ثقتنا كبيرة فب وزير التربيةوالتعليم البروفيسور عادل عبد المجيد في ضمان عدم تكرار هذه المهازل، ولقوة شخصيته سيقوم بمساءلة رادعة للمتسببين في هذا التقصير، وإخضاع أنظمة الكنترول لتدقيق برمجي مستقل يمنع أي تدخل بشري، مع مطالبتنا له بالالتزام الجاد بتوفير متطلبات امتحانات ذوي الإعاقة كحق أصيل، لا كمنّة تقدمها الوزارة تحت ضغط الرأي العام..ومحاسبة من يسربون الأسئلة..والذين تحدث حالات غش في مراكزهم الامتحانية سواء بالأمس أو اليوم.
العدالة التعليمية لا تُبنى بالتبريرات، بل بالشفافية التي تصون جهود المتفوقين وتحمي استحقاقهم.







