كتب : فارس العدني
لا تزال السياسة الخارجية الباكستانية تدور في فلك البحث عن "دور وظيفي" يمنحها الشرعية الدولية والرضا الأمريكي، ومن هنا تبرز ملاحقتها المستمرة لملف الوساطة بين طهران وواشنطن. إلا أن القراءة المتأنية للمشهد الجيوسياسي تشير إلى أن إسلام آباد لم تعد تلعب دور "الوسيط الاستراتيجي"، بل انزلقت نحو ما يمكن تسميته بـ "استجداء الدور"، وهو مسار ينتقص من قيمتها السيادية ويجعلها مجرد ورقة احتياطية في يد اللاعبين الكبار.
تعدد المسارات وتهميش "الخيار الباكستاني"
في الوقت الذي تتلهف فيه إسلام آباد على إثبات نجاحها الدبلوماسي عبر تقريب وجهات النظر، تذهب طهران بعيداً في تنويع قنواتها؛ فتارة تضع ثقتها في "مسقط" كبريد موثوق، وتارة تتجه نحو "بكين" و"موسكو" كضامنين استراتيجيين، وأحياناً نحو "أنقرة". هذا التعدد في المسارات يعكس حقيقة قاسية: انعدام الثقة العميقة في الوسيط الباكستاني. فإيران تدرك أن التحرك الباكستاني محكوم بضغوط اقتصادية وحاجة ماسة لاسترضاء الإدارة الأمريكية، مما يجعل "الحياد" الباكستاني محل شك دائم في الغرف المغلقة.
فخ "الورقة الاحتياطية"
إن بقاء باكستان كـ "خيار ثانٍ" أو ورقة احتياطية يتم اللجوء إليها فقط عند انسداد القنوات الأخرى، يمثل استنزافاً لكبريائها السياسي. فالدولة التي تملك عمقاً بشرياً وقوة نووية لا ينبغي أن تضع نفسها في مقام "المستجدي" للنجاح الدبلوماسي. هذا التلهف الباكستاني لإبراز التفوق والنجاح أمام المجتمع الدولي لم يعد يحقق مصالحها بقدر ما يظهرها كطرف يبحث عن "وظيفة" سياسية بأي ثمن، مما يمنح الأطراف المتنازعة فرصة لاستغلالها كمناورة لربح الوقت دون تقديم تنازلات جوهرية.
ضرورة الانسحاب التكتيكي: استعادة الهيبة
لقد حان الوقت لتضع الدولة الباكستانية حداً لهذا الاستنزاف الدبلوماسي. إن المصلحة القومية تقتضي الانتقال من "تلهف الوساطة" إلى "عزة الموقف"، وذلك عبر خطوتين استراتيجيتين:
المصارحة والشفافية الإعلان بكل وضوح عما توصلت إليه الجهود السابقة، ووضع الأطراف أمام مسؤولياتها التاريخية.
تعليق دور الوسيط التوقف عن لعب دور الجسر الذي لا يعبره أحد بجدية. هذا التوقف ليس اعترافاً بالفشل، بل هو "إعلان استغناء" يعيد لباكستان هيبتها، ويجعل الآخرين هم من يبحثون عنها حين يدركون قيمة وزنها الإقليمي.
إن كبرياء الدول لا يُبنى بالبحث عن رضا القوى الكبرى عبر أدوار وظيفية مستهلكة، بل يُبنى بالقدرة على قول "لا" حين يصبح الدور منتقصاً من السيادة. باكستان ليست بحاجة لاستجداء السلام أو النجاح؛ هي بحاجة إلى وقفة مراجعة شجاعة تعيد توجيه بوصلتها نحو مصالحها الذاتية وأمنها القومي، بعيداً عن صراعات الآخرين التي لم تحصد منها سوى تراجع المكانة وضياع الفرص.