تتحول ذكرى الثاني والعشرين من مايو في كل عام من مجرد حدث عابر في التقويم اليمني، إلى ساحة مفتوحة للنقاش الجاد ومكاشفة الذات الوطنية.
فبينما يرى البعض في هذا التاريخ نقطة تحول استراتيجية جسدت حلم الأجيال وتطلعاتها نحو الاستقرار والقوة، ينظر إليه آخرون من زاوية مغايرة تماماً، محملين مسار ما بعد عام 1990 تبعات الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد.
هذا التباين لا يقف عند حدود الجغرافيا، بل يتغلغل عميقاً في بنية المجتمع والنخبة اليمنية؛ حيث تتشابك الرؤى وتتناقض المقاربات تبعاً للزاوية التي يُنظر منها إلى المشهد العام.
استطلاع/ محمد حسين حيمد
في هذا السياق نفتح الملف الأكثر حساسية في الساحة اليمنية، ونستقرئ آراء ومواقف شرائح مختلفة تمثل عصب المجتمع والنخبة في محافظة المهرة.
مرارة التهميش واختلال ميزان الشراكة نبدأ القراءة من الزاوية الحقوقية والسياسية التي ترى في المسار التاريخي للوحدة انحرافاً عن تطلعات الشراكة الحقيقية. يقول الناشط الحقوقي محمد بن سنان: "الوحدة كفكرة لم تكن مشكلة بحد ذاتها، بل مثلت خطوة لتحقيق حلم عاشه الشعبان في الجنوب والشمال آنذاك. لكن المحطة الفاصلة كانت بعد حرب 1994، حيث تعرض الشعب الجنوبي لتهميش وظلم ممنهج، ولم توزع الثروات بشكل عادل رغم أن أرض الجنوب تشكل النسبة الكبرى من ثروات البلدين.
يضاف إلى ذلك تصفية وملاحقة القيادات الجنوبية لسنوات طويلة. ونحن كشعب عربي أصيل لا نرضى بالظلم والاستبداد، لذا تحولت هذه الذكرى في أذهان الكثير من أبناء الجنوب إلى يوم مشؤوم وارتبطت بذاكرة سيئة."
ويصف بن سنان بمرارة، حول ملف _الذي يدعون انه _ انجازات، فاقول: "المشاريع التي قيل إنها تحققت لم يستفد منها المجتمع المحلي في الجنوب، بل أديرت لصالح متنفذين وشخصيات معينة من حكومة صنعاء، في حين أقصيت الكوادر الجنوبية وأصبح أغلبيتها بلا عمل ومغتربين خارج وطنهم بحثاً عن لقمة العيش.
لقد تحولت الوحدة من شراكة إلى هيمنة تحت نظام علي عبد الله صالح وأعوانه، وحتى بعد زوال ذلك العهد، واجه الجنوبيون محاولات غزو جديدة من جماعة الحوثي لفرض سيطرتها، لكنها اصطدمت بعزيمة شعب جبار جعل من الجنوب اليوم قوة لا يستهان بها."
ويختتم بن سنان حديثه بانتقاد حاد للسلطة المركزية الحالية، مؤكداً أن "الشعب الجنوبي لن يعترف بالمركزية المتمثلة بما يسمى بالشرعية، متمسكاً بحقه في استعادة دولته كاملة السيادة تحت مظلة الممثل الوحيد للشعب الجنوبي وهو المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي".
الانقسام المذهبي وغياب الدولة المؤسسية في سياق متصل بالانتقادات الموجهة للمسار الحالي، ينظر مدير الأرصاد بمحافظة المهرة الأخ عسكري كامل إلى الواقع الراهن بنظرة تخلو من التفاؤل، رابطاً بين غياب الكفاءة وتدهور الأوضاع.
ويوضح وجهة نظره قائلاً: "إن الاحتفال بعيد الوحدة في ظل سياسات الإقصاء واستخدام القوة ضد أبناء الجنوب يمثل استفزازاً حقيقياً للمشاعر. وفي التقييم الفعلي، لا توجد إنجازات ملموسة حققتها الوحدة سوى العودة إلى مربع الثارات، والاختلاسات، ونهب الثروات والمال العام التي أصبحت بيد عصابة متنفذة."
ويرسم مدير الأرصاد في المهرة صورة قاتمة للمستقبل في ظل الوضع الراهن: "نظرتي لليمن الواحد حالياً هي نظرة عدم استقرار، وانتشار للجريمة، وتغذية للانقسامات المذهبية التي قد تفضي إلى حروب مذهبية مدمرة، لا سيما وأن اليمن بات وكراً للجماعات المتناحرة."
ويختتم كامل رؤيته بالتشديد على آلية بناء الدول: "بناء الدولة الحقيقية يتطلب اعتماد الكوادر المتسلحة بالعلم والمعرفة والشهادات الحقيقية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال بناء الأوطان عبر عقال الحارات، أو التعصب القبلي، أو الاعتماد على أصحاب الشهادات المزورة."
مقاربة فقهية وقانونية: الفصل بين عظمة المبدأ وقصور التطبيق على المقلب الآخر من الآراء، تبرز قراءات تحاول تفكيك المشهد من منظور شرعي وقانوني، يفرق بين الفكرة الإنسانية النبيلة وبين الممارسات السياسية التي شابتها.
يتحدث طالب الشريعة والقانون أحمد السعيدي قائلاً: "قيام الوحدة اليمنية في الأصل هو منجز تاريخي وعظيم، وتجسيد حي لقيم الاتحاد والاعتصام التي أمرنا بها ديننا الإسلامي الحنيف، كما جاء في محكم التنزيل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.
ولكن لكي نكون منصفين أمام التاريخ والواقع، يجب أن نفصل تماماً بين عظمة المبدأ وسلوك التطبيق؛ فالخلل والمأساة لم تكن يوماً في فكرة الوحدة كقيمة، بل في أن القائمين على إدارتها لم يطبقوا قيم العدل والمساواة وصون الحقوق، مما خلق فجوة كبيرة بين نبل الغاية وقصور الممارسة."
ويستعرض السعيدي ما يصفها بالمكاسب الكبيرة التي تحققت بالوحدة: "رغم التحديات، حققت الوحدة مكاسب لا يمكن إغفالها، أبرزها ذوبان الحدود الشطرية المصطنعة، وتعزيز أواصر القربى والمصاهرة والامتداد الأسري بين المحافظات، وحرية التنقل والإقامة والاستثمار من المهرة إلى صعدة دون قيود، فضلاً عن تكامل المقومات الاقتصادية والجغرافية والثروات الطبيعية والمنافذ البحرية."
ووينظر السعيدي للمستقبل بنظرة "أمل مشروطة بالوعي"، مؤكداً أن الوحدة الحقيقية هي دولة ومؤسسات ومواطنة متساوية تحمي الجميع عندما تصل إلى أيدي قيادة مخلصة، معرباً عن طموحه في أن تتوحد الأمة العربية والإسلامية على غرار الاتحاد الأوروبي.
بين إنجازات الأمس وخيبات الواقع الإقليمي تتقاطع بعض الرؤى الاقتصادية والاجتماعية في تقييم فترة زمنية معينة من عمر الوحدة، معبرة في الوقت ذاته عن إحباط شديد من مآلات الوضع الراهن والتدخلات الخارجية.
ويصيغ المحاسب المالي أحمد معرابي هذه الرؤية بقوله: "الوحدة اليمنية كانت مطلباً جماهيرياً قبل أن تكون سياسية، فاليمن جغرافياً وثقافياً شعب واحد رغم بعض الاختلافات الطفيفة التي خلفتها قوى الاستعمار والاحتلال، واتحاده يمثل قوة للأرض والهوية.
وإذا أردنا الإنصاف، فإن منجزات الوحدة الحقيقية برزت بشكل واضح بعد عام 1994 في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، حيث شهدت البلاد تحسناً كبيراً في قطاعات الكهرباء، والمياه، والطرقات، والتعليم، والصحة، إلى جانب انتظام المرتبات واستقرار العملة الوطنية حتى في أحلك الظروف كأزمة الكساد العالمي عام 2008، وشهدت المدن الرئيسية كصنعاء وعدن والمكلا والحديدة ازدهاراً وتخطيطاً حضرياً راقياً."
إلا أن معرابي ينتقل لتوصيف الحاضر بنبرة مغايرة: "اليوم، أنظر لليمن الواحد بنظرة خيبة وتشاؤم؛ فالشمال مختطف من قبل جماعة الاثنا عشرية (في إشارة للحوثيين)، والجنوب مرتهن لأجندات دول إقليمية تخشى استقرار هذا البلد وتعمل على تفريخ المكونات وإشعال الصراعات البينية للسيطرة على الثروات وتعطيل المصالح الحيوية والمواقع السياحية، كما يحدث في سقطرى."
ويرى معرابي أن الحل يكمن في "ظهور حاكم ذي كاريزما خاصة، مستبد عادل، يستطيع جمع شتات اليمنيين، وتخليص الشمال من القبضة الحوثية، وتحرير بقية اليمن من الارتهان الإقليمي".
الأكاديميون والإعلاميون: التنوع عامل قوة والمستقبل في العدالة والشراكة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية بالجامعة، يميل النقاش نحو تأصيل القيمة الجيوسياسية للوحدة واستلهام تجارب الأمم الأخرى، مع التأكيد على حتمية التصحيح.
يؤكد الدكتور عبدالله بخاش (رئيس قسم الإعلام في جامعة المهرة) على موقفه الداعم قائلاً: "أنا بالطبع مع الوحدة اليمنية رغم كل الظروف والتحديات الراهنة، فالشعب يدرك قيمتها للأرض والإنسان.
قوة الأمم تكمن في تماسكها وصمودها، وفي استثمارها الحكيم للتنوع الفكري والثقافي والجغرافي.
التنوع في ظل الوحدة الوطنية هو عامل قوة وليس ضعفاً، وهناك دول قامت حضاراتها الحديثة على الاندماج والتنوع مثل الهند، وإثيوبيا، والولايات المتحدة." ويضيف د. بخاش:
"إعادة تحقيق الوحدة بشكلها الصحيح هو مشروع نهضة أمة وشعب وحلم ثوار اليمن في كل الاتجاهات.
ورغم المآخذ والأخطاء التي شابت إدارة دولة الوحدة سابقاً والتي ينبغي تصحيحها، فإنها تظل مشروع وطن ذي قيمة جيوسياسية وجيواستراتيجية كبرى."
وفي السياق ذاته، يرى الناشط الإعلامي عزت عويض الجعفري أن: "الوحدة كانت حلماً وطنياً عظيماً تحقق بنضال وتضحيات أبناء الشمال والجنوب معاً لبناء هوية واحدة. ومن غير المنطقي إلغاء قيمتها الوطنية والإنسانية بسبب الأزمات اللاحقة، فالإشكالية لم تكن في المبدأ بل في السياسات الخاطئة.
اليمن الواحد سيظل رمزاً للأخوة والمصير المشترك، والوطن القوي لا يُبنى إلا بالعدل، والشراكة، واحترام حقوق الجميع."
الجيل الشاب: الوحدة كجزء من الهوية والوجدان أما بين صفوف الطلاب والشباب، فتأخذ الرؤية طابعاً وجدانياً يعبر عن تمسك وثيق بالهوية المشتركة رغم وعيهم بحجم الصراع المحيط بهم.
تتحدث باحثة الماجستير في مجال الإعلام أسماء كلشات قائلة: "تعتبر الوحدة اليمنية حدثاً مفصلياً وممتداً في التاريخ لكونها جمعت أبناء الشعب تحت راية واحدة بعد عقود من الانقسام.
أبرز الإنجازات تمثلت في تسهيل حركة التنقل، وتوحيد الهوية، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وبناء المؤسسات.
قوة اليمن تكمن في تماسك شعبه، ورغم كل التعقيدات الحالية، يظل الأمل قائماً في استعادة الاستقرار والنهوض من جديد." وتشاركها الرأي طالبة الإعلام بجامعة المهرة هلالة مبارك، معبرة بلمسة وجدانية: "شعارات (الله، الوطن، الثورة، الوحدة) لم تكن مجرد كلمات نرددها في الطابور الصباحي، بل ظلت محفورة في قلوبنا.
بدون الوحدة يفقد المفهوم الوطني معناه، فلا جنوب بلا شمال ولا شمال بلا جنوب؛ نحن نكمل بعضنا البعض مهما تعددت الاختلافات الثقافية.
كل محاولات التشتيت والتفريق تبوء بالفشل لأن الجنوب هو روح اليمن والشمال هو جسدها، وانفصالهما يعني الموت للمشروع الوطني. لقد حققت الوحدة روح التماسك الاجتماعي والاقتصادي، وبدونها سينظر العالم لدولتنا بعين الضعف والشتات."
الخاتمة يظهر الاستطلاع الميداني في محافظة المهرة بوضوح أن النخبة والمجتمع لا يختلفون كثيراً على "نبل فكرة الاتحاد والتعاون" كقيمة إنسانية ووطنية، لكن الفجوة الحقيقية تكمن في "ممارسات السلطة" والسياسات التي تلت عام 1990.
بين رؤية حقوقية ترى في فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية حلاً لإنهاء التهميش، ورؤية أكاديمية وقانونية ترى الحل في تصحيح مسار دولة الوحدة وإرساء قيم العدالة والشراكة والمواطنة المتساوية، يبقى الحاضر اليمني مثقلاً بالتحديات، بانتظار عقول حكيمة تصنع مستقبلاً آمناً ومستقراً يتسع لجميع أبنائه





- عبدالسلام الحاج.. حضورًا يتجاوز الضجيج والاتهامات وصوت السلام في زمن الحرب
- عدن تتوج بالإرادة.. اختتام بطولة مصارعة الذراعين الثالثة وسط حضور رسمي ورسالة وفاء لذوي الاحتياجات الخاصة
- بدعم مركز الملك سلمان.. الفرقة الثالثة طوارئ تدشن توزيع مساعدات غذائية للأسر المحتاجة في الوديعة
- الهيئة الوطنية للأسرى ترحّب باتفاق عمّان وتدعو للتعامل مع ملف المحتجزين كقضية إنسانية بعيدًا عن المساومات السياسية والعسكرية