تأتي إلينا في أول العمر ببشارة صغيرة، فنحتضنها بأفئدتنا، ونحرسها بعيوننا، ونرعاها بكل ما نملك من حب وأمل.. ثم لا نلبث أن نكتشف أن تلك البشارة لم تكن يومًا عابرًا، وإنما كانت بداية حكاية عمر. في ظهيرة الثالث من أكتوبر عام 1986، رنّت في منزلي نغمة فرح لا تشبه سواها.. كانت بشارة ميلاد هشام ابني البكر وقرة عيني.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ الحلم يكبر على وقع دقات قلوبنا ؛ يحبو.. ثم يمشي.. ثم يركض.. ثم يغدو يافعًا، حتى وقف اليوم رجلًا يحمل اسمه، ومهنته، ومسؤوليته، وتجاربه، ويمنحنا نحن الذين أحببناه منذ اللحظة الأولى، حقًا آخر في الفخر والاعتزاز. هكذا هي الحياة.. تأخذ منا سنوات العمر، لكنها في المقابل تمنحنا أبناءً نرى فيهم امتدادنا، وشيئًا من أحلامنا التي كبرت أمام أعيننا دون أن نشعر.
وحين ينادونني أحبتي وأصدقائي: «يا أبا هشام»، أشعر أن لهذا النداء موسيقى لا يسمعها إلا الآباء. فأنا لا أسمع فيه مجرد كنية، بل أسمع فيه نبض قلب . . أسمع فيها ذلك الطفل الذي حملته فرحًا، والشاب الذي رأيته يشق طريقه، والرجل الذي أصبح اليوم سندًا وعكازًا يبعد عني شبح الشيخوخة، وبوصلة أمان أطمئن إليها، وفوق ذلك كله طبيبًا ناجحًا، وأستاذًا جامعيًا، وإنسانًا أراه ـ كما يراه كثيرون ـ نموذجًا مشرفًا وقدوة حسنة.
يا هشام.. سنوات لم تكن كلها متشابهة؛ فيها أفراح وقلق، نجاحات وتحديات، أيام مرت خفيفة وأخرى أثقلت القلب.. لكن أجمل ما فيها أنك كنت دائمًا جزءًا من المعنى، وابرز الأسباب التي تجعل للحياة مذاقًا آخر. واليوم، وأنا أراك بهذا القدر من النجاح الذي اتمنى لك مزيدا منه ، لا أطلب لك من الدنيا أكثر من أن تظل كما عهدتك وكما أحب أن أراك: ناجحًا دون غرور، طموحًا دون أن تفقد إنسانيتك، بارًا بأهلك، نافعًا لناسِك، وفيًا لمبادئك، وأن يكون القادم من عمرك أجمل من كل ما مضى.
اللهم بارك لي فيه، وبارك له في عمره وحياته، واحفظه بعنايتك، وافتح له أبواب التوفيق والنجاح، وألبسه ثوب الصحة والعافية، واجعل علمه وعمله في خدمة أهله ومجتمعه ووطنه.
كل عام وأنت بخير يا أبا زيد.. وكل عام وأنت ذلك الحلم الجميل الذي بدأ صغيرًا في ظهيرة الثالث من أكتوبر، وكبر أمام عيني حتى صار اليوم ينبوعاً من الفخر.
أربعون عامًا يا هشام.. وما زلت في عيني ابن الأمس، وفي قلبي فرحة ذلك اليوم الأول.





