محمد العولقي: أربعة عقود في خدمة الصحافة.. وعينان تبحثان عن طبيب ووطن ... في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملكه من منصبٍ أو نفوذ، يقف محمد العولقي نموذجًا نادرًا لرجلٍ لم يطلب شيئًا لنفسه، ولم يطرق باب مسؤولٍ، ولم يستجدِ عونًا من أحد.
رجلٌ أفنى أربعة عقود في خدمة الصحافة والرياضة والوطن، فإذا به اليوم يُحاصر بألمٍ لا يرحم، وصمتٍ لا يغتفر. رجلٌ يُضرب بالدبابيس ... ما يعانيه محمد العولقي ليس مجرد وعكة صحية عابرة، بل حالة موصوفة بالألم الشديد. يعاني من آلام حادة في قرنية العين، يصفها بنفسه قائلاً: “حين أقرأ تدمع عيناي، وأشعر وكأن أحداً يضربهما بالدبابيس”، إضافة إلى شحنات كهربائية في الرأس تسببت له بآلام شديدة وإرهاق مستمر.
هذا الألم أجبره على التوقف الكامل عن الكتابة والابتعاد عن الشاشات والهواتف، وهو الذي عاش مع قلمه لعقود. والمفارقة الأقسى أن العولقي هاتف زميله عثمان الغتنيني يسأل عن أطباء مختصين في قرنية العين بالمكلا، لا عن مساعدة مالية أو منصب، بل عن طبيب.
لكن للأسف، لا يوجد في اليمن اليوم أطباء مختصون في هذا التخصص الدقيق ولا مراكز طبية متقدمة قادرة على التعامل مع حالته التي تتفاقم يومًا بعد يوم.
أربعة عقود من العطاء ... بدأت رحلة محمد العولقي الصحفية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما ابتدأ الكتابة في صحيفة 14 أكتوبر بالمعلا، ثم انتقل إلى صحيفة الرياضة التي صدرت عام 1990م بقيادة رموزٍ كبار كالأشموري وعبدالله الصفعاني. وأجرى استطلاعات صحفية مميزة مع فرقٍ رياضية لم تكن تحظى باهتمام كبير، مثل فريق عرفان للكرة الطائرة، محوّلاً لعبةً قد لا تلقى نفس اهتمام كرة القدم إلى مادة صحفية شائقة.
ثم تتالت المحطات: رئيس تحرير صحيفة الرياضة، وكاتب عمود في صحيفة الأيام الرياضي, ومحلل رياضي في عدد من القنوات الفضائية الخليجية. حين كُرّم من الخارج.. وتُجوهل في الداخل ... في عام 2014م، حصد محمد العولقي جائزة أفضل مقال رياضي في بطولة خليجي 22 بالرياض، عن مقاله “خلوا بالكم من أعصابكم” المنشور في صحيفة الأيام الرياضي الصادرة من عدن. ونال جائزة القلم الذهبي وشهادة تقدير خاصة، وقال مدير قنوات الكاس القطرية عيسى الهتمي إن “مقالته الفائزة بالقلم الذهبي الخليجي تستحق أن تدرس في كبرى الجامعات الإعلامية”.
لكن هذا التكريم الخارجي لم يجد صدىً في الداخل. تساءلت صحيفة الأيام حينها: “لماذا يتم تجاهل إبن العولقي محلياً، بينما يتم تكريمه من خلف الحدود؟”.
وحتى حين كرّمته قنوات الكأس القطري، لم يحضر التكريم في حينه بسبب الحرب التي استهدفت عدن، فأقامت القناة حفلًا خاصًا له في الدوحة.
صمتٌ مؤسسي.. ودعواتٌ من الأفراد ... اليوم، وبعد أن تزايدت الدعوات في الأوساط الصحفية والرياضية للاهتمام بالكاتب الكبير، لم يصدر عن وزارة الإعلام ولا وزارة الشباب والرياضة ولا المؤسسات التي استفادت من جهده أي مبادرة رسمية.
كل ما حصل عليه العولقي هو زيارة شخصية من مدير مكتب الإعلام بمحافظة أبين، الدكتور ياسر باعزب، الذي نقل تحايا محافظ أبين، لكن دون أي التزام بعلاج أو تكريم رسمي. في المقابل، صُنّف العولقي في أكثر من استفتاء عربي ضمن أفضل كتّاب المقال الرياضي، وحافظ على استقلالية قلمه وابتعد عن المجاملات والتطبليط طوال مسيرته التي امتدت لعقود. أي عدالة هذه؟ ...
المفارقة المؤلمة التي طرحها الكثيرون في منشوراتهم تبقى قائمة: “أقل مسؤول إذا أصيب بالإنفلونزا يجد من يرسله إلى ألمانيا أو أمريكا ويتكفل له بأفضل علاج وأكبر مستشفيات العالم. أما الصحفي الذي قضى عشرات السنين وهو يحمل اسم بلده في كل مكان فقد يجد نفسه مضطراً إلى الصمت حتى لا يقال إنه يستجدي أحدًا”.
محمد العولقي لم يطلب شيئًا. لم يطرق بابًا. لم يستجدِ أحدًا. لكن هذا لا يعفي الدولة من مسؤوليتها تجاه من أفنى عمره في خدمتها.
فالتكريم الحقيقي ليس شهادة تعلق على الحائط، بل أن تقف مع الإنسان وهو في أمس الحاجة إليك.
آن الأوان أن نرد له ولو جزءًا بسيطًا من جميله. قبل أن نخسر قلمًا خدم الكلمة والإعلام لعقود.
قبل أن يتدهور أكثر، فلا يليق بنا أن نترك قلمًا بحجم محمد العولقي يواجه مصيره وحده.
«فماذا قدمت له الدولة؟»





