طفح إبي
2026/05/06 - الساعة 09:46 مساءً
بعض التصريحات الصحفية كالطفح؛ لا تُرى فقط بل تُشمّ، فتؤذي الأنوف وتلوّث الهواء، وما إن تقترب منها حتى تشعر بالغثيان.”
تلك كانت مقدمة رسالتي إلى عبد الرحمن أنيس الإبي!!
فقد لوث هذا الطرح "الطفح" انوفنا من منشورك المشكك بواحدية الجنوب رغم معرفتك لاوجود لأي اختلاف في أنظمة تلك السلطنات وتقاربها واختلاط نسيج مجتمعاتها عبر التاريخ، ذلك الطرح كشف بوضوح ما تحمله في نفسك وامثالك ممن ولدوا وترعرعوا بارض الجنوب وفي عاصمته عدن من انتقائية في قراءة التاريخ، وتجاهلك لما تلاه من واقع سياسي وتشكّل دولة وتجربة مشتركة.
فبدلًا من قراءة التاريخ بمراحله الكاملة، تتم اجتزاؤه بما يخدم موقف نظامك اليمني الموالي له، هكذا نجدكم كما فعل اسلافكم
فأنا كحضرمي الأصل والبذرة ومنبت لحج واسرتي منتشرة في جميع ربوع الجنوب من حضرموت شرقا إلى عدن ولحج جنوبا، وإن جزمت بأن حضرموت والمهرة ليستا ضمن اتحاد الجنوب العربي، الذي ضم 12 سلطنة ومشيخة عام 1962 أثناء الاستعمار البريطاني للجزء الجنوبي من اليمن، والذي أُلحقت به ولاية عدن عام 1963، ثم سلطنات الواحدي الحضرمية عام 1964، ولم تنضم إليه بقية سلطنة المهرة وسلطنات حضرموت، إضافة إلى سلطنة يافع العليا، فقد انتهى هذا الاتحاد عام 1967م
لكنك تعمدت ان تجتزأ التاريخ، فعقب ثورة 14 أكتوبر انضمت حضرموت والمهرة إلى الجنوب رسميًا، وشكّلت مع بقية المناطق دولة عُرفت باسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم تم تغيير اسمها لاحقًا إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بفعل غوغائية حزب حوشي المغروس في قوام الحزب الاشتراكي اليمني ، الذي بدأ منذ ذلك التاريخ بإشعال الفتن بين أبناء السلطنات والمشيخات الجنوبية، انتقامًا من الهزائم التي مُنيت بها قوى الشمال الزيدية عبر التاريخ في محاولات غزو تلك السلطنات، فظل ذلك الحزب يدير الصراعات ويغذي الانقسامات حتى ختمها بكارثة حرب يناير 1986 بين الرفاق.
تلك الحرب التي أضعفت الجنوب ومهّدت للانبطاح في وحدة 1990، الوحدة التي كانوا ينشدونها وغرسوها في نفوس الجنوبيين، لكنها تحولت إلى طعنة موجعة في خاصرة الجنوب، بعد أن انكشفت حقيقتها القائمة على الضم والإلحاق، وتم خلالها تصفية الكوادر الجنوبية وإقصاؤها.
وحينما حاول قادة الجنوب تصحيح المسار، شُنت عليهم حرب 1994، التي دمرت ما تبقى من أمل في تلك الوحدة، وكرّست واقع الاحتلال ونهب الثروات، واستمر الغزاة في غيّهم بنهب الأرض والإنسان.
وعندما انتفض الجنوبيون في الحراك الجنوبي عام 2007، من عدن إلى حضرموت وشبوة وابين ولحج، قوبلوا بالقمع والبطش، دون تمييز بين حضرمي أو عدني أو لحجي أو أبيني أو شبواني أو مهري، وأُعيد إحياء التنظيمات المتطرفة التي جرى استقدامها من أفغانستان والسعودية وسوريا، بقيادة تنظيم الإصلاح المتفرع من حزب المؤتمر الشعبي المتربص دائما بالجنوب، لأن تلك كانت مهمتة أهدافه منذ أن أنشأ عفاش وال الأحمر ، لإشعال الفتن بين أبناء الجنوب واستمالة ضعاف النفوس.
وعندما فشلت تلك المخططات، اشتعلت الحرب بينهم في 2012، واستولى الحوثي على الشمال، فتحالف عفاش مع الحوثي خوفًا من ضياع الجنوب، واجتمعت تلك القوى مجددا ووجّهوا حربهم نحو الجنوب ودول التحالف العربي، قبل أن ينقلب الحوثي على عفاش، لكن فكرة التمدد وكسر شوكة الجنوبيين ظلت قائمة.
ففي 2015 أعادوا غزو الجنوب، لكنهم طُردوا شر طردة، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف محاولاتهم لزعزعة أمن واستقرار المحافظات الجنوبية، بنفس الأساليب التي كان ينتهجها عفاش، عبر إعادة تنشيط التنظيمات الجهادية واستهداف الكوادر الجنوبية.
ومع فشل كل تلك المخططات، انتقلوا إلى أساليب أخرى، تمثلت في بث الفتن، وتشتيت القوى السياسية الجنوبية، وإفشال أي محاولة للاصطفاف والتوحيد، وإثارة النعرات المناطقية على أساس تاريخي، ومحاولة ضرب التماسك المجتمعي الجنوبي عبر التشكيك في هوية المحافظات الشرقية، وتارة بشعارات مناطقية ضيقة مثل “عدن للعدنيين”.
متناسين أن المحافظات الشرقية دُمجت ضمن الدولة الجنوبية منذ 1967، وأن كثيرًا من رجالاتها كانوا في صدارة القيادة منذ العام 90م ، وعلى رأسهم: الرئيس علي سالم البيض، والرئيس حيدرة العطاس، وعضو المجلس الانتقالي عمرو البيض، وعلي الكثيري، وأحمد بن بريك، وهاني بن بريك، وسبقهم الجفري، وكثير لاتسعفني الذاكرة لذكرهم، وجميعهم من حضرموت أو من المحافظات الشرقية، وكانوا ولا يزالون في صلب المشروع الجنوبي.
بل وهم من يتزعم مشروع الجنوب العربي، كما أن ساحات حضرموت وشبوة والمهرة وأبين وعدن شهدت اصطفافًا شعبيًا واسعًا ضمن مشروع الجنوب العربي، من عدن حتى حضرموت، في مشهد يعكس وحدة القضية والمصير.
ورغم ذلك، تخرج انت وامثالك وممن يحاول التشكيك في هذا التماسك، ويعيد بث السموم، وينادي بمشاريع بديلة كـ “جمهورية باب اليمن”، متجاهلًا كل هذا التاريخ، وكل هذا الواقع، وكل هذا الاصطفاف الشعبي.
وعلى فرضية كلامك إن حضرموت لم تنضم لاتحاد الجنوب العربي، وبالتالي لا علاقة لها بالجنوب ومن حقها تكون دولة مستقلة
فهذا استدلال مجتزأ، يقف عند محطة زمنية واحدة ويتجاهل ما بعدها بالكامل.
نعم، حضرموت لم تكن ضمن اتحاد الجنوب العربي قبل 1967، لكن ماذا بعد الاستقلال، انضمت رسميًا للدولة الجنوبية، وكانت جزءًا أصيلًا من جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وشارك أبناؤها في القيادة وصناعة القرار.
فهل يُلغى كل هذا التاريخ فقط لأنك قررت تتوقف عند 1967؟
طيب، خلّينا نمشي مع منطقك
إذا كان عدم الانضمام لكيان سابق يُسقط الانتماء اللاحق، فهذا ينطبق على الجميع، وليس على حضرموت فقط.
واحد من إب(هو أو أبوه) جاء إلى عدن، عاش فيها، واستقر، وأكل من خيرها…
بحسب منطقك: لا علاقة له بعدن، ويرجع إلى إب!
أو أن هذا المنطق يُستخدم انتقائيًا فقط عندما يتعلق الأمر بحضرموت؟
ونجي لمثال أوضح:
أنا حضرمي الأصل والبذرة، ولحجي المنبت والتكوين، هل أُجزّئ نفسي؟
هل أفصل أصلي عن فرعي؟
هل يحق لأحد يقول لي، خلك حضرمي واترك لحج، أو يقول أنت لحجي وانسَ حضرموت؟
بذلك انت الخاسر، فأنا ساعود إلى حضرموت وانت عد إلى إب
الا ترى ان هذا عبث وتلاعب بالألفاظ، فالهوية ليست مرحلة تُختار وتُلغى، بل تراكم تاريخ وانتماء وتجربة.
ونفس الشيء ينطبق على حضرموت، لا يُلغى تاريخها قبل 1967، ولا يُقفز على ما بعدها