شجاعة المراجعة

بين وهم المليونيات واستحقاقات الواقع: هل يمتلك "الانتقالي" شجاعة المراجعة؟ إن التاريخ لا يُزوّر؛ فهو ذاكرة الشعوب الحية، ومن هذا المنطلق، نجد أن التمسك بمسمى "الجنوب العربي" في غير محله التاريخي والجغرافي، بات يضر المجلس الانتقالي أكثر مما ينفعه. المجتمع الجنوبي يدرك تماماً دلالات المسميات، ويسأل بوعي: ما الجدوى من فرض هوية تثير الجدل في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى رص الصفوف؟ حسابات القوة والخطأ في التوجه: لقد كانت الأولوية ولا تزال هي تحرير "وادي حضرموت" من المنطقة العسكرية الأولى التي يقودها "طيمس" وتضم عناصر من خارج النسيج الحضرمي. لكن المثير للاستغراب هو تحويل بوصلة القوة نحو "الهضبة الحضرمية" وقوات "حلف قبائل حضرموت".

   فهل كان الهدف كسر الإرادة الحضرمية أو تصفية رئيس الحلف؟ إن أي محاولة للاصطدام بالمكونات الحضرمية في عقر دارها هي مأزق سياسي بامتياز. حضرموت اليوم، بسكانها الذين يتجاوزون ثلاثة ملايين نسمة، رقم صعب لا يمكن الاستهانة به في تغيير أي معادلة قادمة.

   إن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على البناء والأمن والاستقرار، وتجاوز أخطاء الماضي لضمان عيش كريم، وليس عبر سياسة "كسر العظم".

  أزمة "المليونيات" والواقع المعيشي: وهنا يبرز سؤالان: الأول: ما الفائدة الحقيقية من هذه الحشود؟ إنها لا تعدو كونها إرهاقاً للمواطن وقطعاً لأرزاق الناس.

 الثاني: هل رفعت هذه المليونيات شعاراً واحداً يلامس معاناة المواطن في تحسين المعيشة، أو رفع الرواتب، أو توفير الخدمات الأساسية وعلى رأسها الكهرباء في شهور الصيف الحارقة؟

   تذكير: علينا أن نتذكر دروس التاريخ القريب؛ فالملايين التي كانت تخرج تأييداً لـ"عفاش" لم تمنع نهايته المأساوية، وتبخرت تلك الحشود عند أول اختبار حقيقي للقوة والشرعية الشعبية.

   الشعوب لا تذكر الخطابات، بل تذكر الإنجاز والمنفعة وما قُدم لها من خدمات حين كان القرار بيدكم في عدن والموارد تحت تصرفكم لسنوات.

   خارطة طريق للمراجعة والتصحيح: إن وجود قيادات من الانتقالي في الرياض لتهيئة أجواء الحوار هو خطوة جيدة، لكنها تظل منقوصة ما لم يبدأ "الانتقالي" بمراجعة داخلية شاملة، تتضمن الآتي:

 أولا: التطهير الذاتي: التخلص من القيادات الفاسدة والمحرضة، وفتح ملفات القتل والاختفاء القسري والتعذيب بكل شفافية.

  ثانيا: كسب الحاضنة الشعبية: التصالح الصادق مع الجماهير والابتعاد عن لغة التخوين، فالوطن للجميع وليس حكراً على تيار أو مكون.

   ثالثا: الاعتذار لحضرموت: رد الاعتبار للحضارم، وإبعاد كل من حرض على غزوها أو تسبب في إزهاق الأرواح، وتطهير الصفوف من أصحاب السوابق.

   رابعا: رد المظالم: إعادة الأراضي المغتصبة إلى أصحابها، وإعمال مبدأ المحاسبة والمحاكمة قبل الحديث عن التسامح.

   خامسا: استقلال القرار السياسي: أن يكون قرار القيادة نابعاً من مصلحة الشعب، لا مملى عليها من الخارج.

 أخيراً: لا بد من تطوير العلاقات مع دول الإقليم، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي قدمت ولا تزال تقدم الدعم المالي والمعنوي.

   إن الحملات الإعلامية "المسيرة" وغير المسؤولة من بعض قيادات أو أعضاء الانتقالي ضد الأشقاء تضر بالمجلس وتعرقل مسار الاستقرار.

   المطلوب هو بناء علاقة متوازنة تحفظ السيادة وتحقق المصالح المشتركة دون تسليم القرار.

   إن نقدنا هذا ينبع من الحرص على السلم الأهلي، فالتاريخ لا يرحم، والبقاء دوماً لمن صدق مع شعبه وعمل لأجل منفعتهم.