ليس في بيوتنا صرافات آلية، ولا نملك خلف أبوابنا المغلقة آلات تطبع النقود، نحن -جلّنا- نبتلع حاجتنا بالصبر، نعيش في المربع الاقتصادي ذاته: بين محتاج، وفقير، وميسورٍ يستر حاله بالجهد الجهيد.
حديثنا هنا ليس عن أصحاب "البيارق" ومن يعيشون في أبراجهم العاجية؛ فهؤلاء يحيون حياة لا تشبه دنيانا في شيء، حديثنا عن "الأغلبية السوادء"، عن المواطن البسيط الذي يحمل على كاهله كافة المشقات، ويتجرع مرارة تردي الخدمات، وغلاء المعيشة، وتقلبات السياسة.. حتى لسان حاله يقول اليوم: "قد فينا ما يكفينا!".
راتبٌ لا يكفي كيس دقيق! بين خمسين ألفاً ومائة وخمسين ألف ريال كحد أقصى.. هذا هو سقف أحلام الموظف البسيط، هذا إن وصل الراتب في موعده شهرياً دون مماطلة! ومع ذلك، كنا نقول دائماً: "لأجل الوطن كله يهون". نتمسك بالاسم والشعارات، بينما الحقيقة المرة تخبرنا بأن ثروات هذا الوطن تذهب لجيوبٍ يعلمها الجميع ولا داعي لتسميتها.
وإذا تركنا حال الموظف جانباً، والتفتنا إلى العمال والحرفيين، أصحاب الأجر اليومي والدخل غير المحدود (بل المنعدم أحياناً)، لوجدناهم يصارعون كل صباح لتوفير قوت يومهم. ومن كان منهم يملك ابناً أو قريباً في الغربة يرسل له ما يسد الرمق، فهو في نعمة وبركة يُحسد عليها.
صدمة الأضحية.. إيجار شقة مفروشة! ها هو عيد الأضحى على الأبواب، ومعه تتدفق سيل من الطلبات: ملابس أطفال، حاجيات العيد، والأضحية التي هي شعيرة وفرحة. الدخل الحالي لا يكاد يغطي قيمة كيس من الأرز والدقيق، ولكن المواطن الغلبان يصرّ على أن يفرح أطفاله، فيذهب إلى السوق بما تيسر معه من مال -حفاظاً على ما تبقى من كرامة- يبحث عن "رأس غنم" صغير وسمين، على قد الحال، فيصعقه التاجر بالسعر: "500 ألف ريال يمني!". يا قوم.. هل نحن بصدد شراء أضحية أم استئجار شقة مفروشة؟! هل هذه الماشية تفطر عسلاً ومرقاً وتتغذى على الفتوش والبقلاوة لتباع بهذا الثمن الفاحش؟ يتحجج تجار المواشي بارتفاع أسعار العلف، ونحن نعرف أن مواشيهم ترعى في الطبيعة معظم الأوقات.
لن ندخل في معادلات حسابية ولا مشادات لسانية لتفنيد الكلفة، ولكن رفقاً بالناس! عندما يرتفع الصرف يرفعون الأسعار، وعندما ينخفض الصرف يختلقون الأعذار! إنها الحقيقة العارية: إنه الجشع وغياب الضمير.
في الفساد.. نحن مشاركون! يردد الدهماء من الناس في مجالسهم أن الفساد حكرًا على المسؤولين وأصحاب الكراسي، لكن لنكن منصفين مع أنفسنا؛ أين الإنصاف والتراحم في أسواقنا؟ هل تحولت سياسة البيع والشراء بيننا إلى "حرب للمسلمين" بدلاً من أن تكون عوناً لهم؟ التراحم واجب، والقاعدة الإلهية واضحة وثابتة: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". إذا نزعنا الرحمة من قلوبنا وجعلناها خاوية، فكيف نتجرأ بعد ذلك على رفع أكفنا إلى السماء نتبتل ونطلب الفرج؟
قصة الأضحية هذه ما هي إلا قطرة في بحر من ألف واقعة معيشية مريرة؛ فمحلات الملابس بأسعارها الكاوية تنتظر العائلات، ولو أردنا كتابة كل تفاصيل هذا الوجع، لن تسعها عشر مجلدات.
رسالة إلى من به صمم لقد وصلنا إلى مرحلة أصبحنا فيها -كعوام- مشاركين في الفساد بسكوتنا، وجشعنا، وأنانيتنا في التعامل مع بعضنا البعض. الفساد ليس كرسياً رسمياً فحسب، بل هو سلوك يومي نعيشه في الأسواق والمحلات. هذه الرسالة نضعها أمام ضمير كل تاجر، وكل مواطن، عسى أن تحرك في النفوس ما مات منها من إنسانية.
تذكروا غبار الميدان، ودموع الآباء العاجزين، ولهفة الأطفال لثوب جديد أو قطرة فرح.. ارحموا بعضكم، لعل الله يرحمنا جميعاً