الوطنية ليست ملكًا لأحد

كتب : فارس العدني

 

الوطنية لا تُجزَّأ، ولا تُفصَّل على مقاس تيار أو منطقة أو جماعة بعينها. لا يمكن أن يكون الجنوبي وطنيًا لأنه من هذه المحافظة، وغير وطني لأنه من محافظة أخرى، ولا لأن هذا صوته أعلى أو ذاك أكثر ضجيجًا. هذه معايير مختلة تُفرغ المفهوم الوطني من مضمونه، وتحوله إلى أداة إقصاء وتخوين.

 

في الجنوب اليوم، هناك شريحة واسعة من الجنوبيين ليست مع المجلس الانتقالي، لكنها مع الجنوب وقضيته العادلة. هؤلاء لم يُحترم اختلافهم، بل جرى تهميشهم وإقصاؤهم وتخوينهم، وكأن الانتماء للجنوب أصبح مشروطًا بالولاء السياسي لا بالموقف الوطني. هذا المنطق لا يبني مشروع دولة، بل يعيد إنتاج صراعات قديمة دفع الجنوب ثمنها في مراحل سابقة من تاريخه.

 

ما شهدناه خلال الفترة الماضية من اقتحام مؤسسات إعلامية، واستهداف صحفيين، والتحريض ضد الأصوات المعتدلة، ليس سلوكًا عابرًا ولا حوادث فردية، بل نتيجة طبيعية لنهج يرفض التعدد ويخشى النقد، ويصادر حق الاختلاف باسم القضية. ومحاولات التنصل من المسؤولية لا تلغي الوقائع، ولا تمحو الأدلة، ولا تعفي من المسؤولية الأخلاقية والسياسية.

 

الجنوب ليس ملكًا لفئة، ولا حكرًا على تيار، ولا ورقة بيد من يرفع صوته أعلى من غيره. الجنوب مشروع شعب، لا مشروع سلطة أمر واقع. ولن يتحقق أي استقرار، ولا حتى الحد الأدنى من الأمن أو الفيدرالية أو أي صيغة سياسية مستقبلية، ما لم يُستعد منطق الشراكة، ويُحترم التنوع، ويُغلق باب التخوين.

 

من يختزل الوطنية في نفسه، ويمنح صكوك الانتماء لمن يشاء، لا يدافع عن الجنوب، بل يسيء إليه. ومن يقدّس الأشخاص أو الكيانات، ويجعلها فوق النقد، لا يبني وطنًا، بل يصنع صنمًا سياسيًا جديدًا.

والوطن، في النهاية، لا يُبنى بالأصنام… بل بالعدل، والاعتراف بالآخر، واحترام حق الاختلاف.