كتب : فارس العدني
في خضمّ السجالات السياسية الحادة التي عاشها اليمن منذ عام 2011، تعرّض الرئيس عبدربه منصور هادي لكمٍّ هائل من الاتهامات والتجاذبات، حتى غابت كثير من الحقائق وسط ضجيج الشعارات والانقسامات. وبين مؤيد ومعارض، يبقى الإنصاف ضرورة تاريخية وأخلاقية، خصوصًا عند تقييم رجل قاد اليمن في أخطر مراحله وأكثرها تعقيدًا.
لقد جاء هادي إلى السلطة في لحظة انهيار تاريخية، بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق علي عبدالله صالح وفي ظل انقسام سياسي وعسكري واجتماعي حاد كاد أن يجر البلاد إلى حرب أهلية مبكرة. لم يأتِ الرجل بانقلاب، ولا بصفقة سرية، بل وصل عبر انتخابات توافقية ودستورية عام 2012، شارك فيها اليمنيون من مختلف المحافظات، شمالًا وجنوبًا، باعتباره رئيسًا للجمهورية اليمنية كلها، لا ممثلًا لمنطقة أو مكوّن بعينه.
ورغم أن قطاعًا واسعًا من الجنوبيين آنذاك رفض المشاركة في الانتخابات تحت تأثير خطاب الانفصال والحراك الجنوبي، إلا أن هادي لم يتعامل معهم كخصوم، ولم يدخل في مشروع انتقامي أو إقصائي، بل ظل متمسكًا بفكرة الدولة الجامعة. كان مشروعه الواضح هو اليمن الاتحادي دولة عادلة تقوم على توزيع السلطة والثروة، وإنهاء هيمنة المركز التقليدي في صنعاء، وكسر احتكار النفوذ القبلي والعسكري والسلالي الذي حكم اليمن لعقود طويلة.
ذلك المشروع لم يكن مجرد شعار سياسي، بل كان محاولة حقيقية لإنقاذ اليمن من مركزية خانقة أنتجت الحروب والفساد والحرمان. ولهذا السبب تحديدًا، واجه هادي عداءً مفرطاً من مراكز القوى التقليدية في صنعاء، سواء القبلية أو العسكرية أو السلالية، لأنها رأت في مشروع الدولة الاتحادية تهديدًا مباشرًا لنفوذها التاريخي ومصالحها المتجذرة.
وعندما اجتاح الحوثيون صنعاء وأسقطوا مؤسسات الدولة، كان هادي عمليًا آخر ما تبقى من الشرعية الدستورية للجمهورية اليمنية. حاصروه في منزله، وقتلوا حراسته، ووضعوه تحت الإقامة الجبرية، ثم حاولوا فرض واقع سياسي جديد بالقوة. ومع ذلك، تمكّن الرجل من الخروج والوصول إلى عدن، في واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ اليمن الحديث.
هنا تظهر الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون عمداً كان بإمكان هادي، بمجرد وصوله إلى عدن، أن يعلن الانفصال ويكسب تصفيق الشارع الجنوبي الغاضب، خصوصاً بعد ما تعرّض له من حصار في صنعاء. لكنه لم يفعل. لم يتخلّ عن شرعيته كرئيس لكل اليمن، ولم يحوّل عدن إلى منصة لإعلان الانقسام، بل تمسك بمشروع الدولة الاتحادية، باعتباره آخر فرصة عادلة لإنقاذ اليمن شمالاً وجنوباً.
هذا الموقف وحده يكشف طبيعة الرجل ومشروعه السياسي. فقد كان يدرك أن الانفعال اللحظي قد يقود إلى تمزيق دائم، وأن مسؤوليته كرئيس منتخب تفرض عليه الحفاظ على الدولة لا هدمها، حتى وهو يُحاصر ويُطارد ويُقاتل.
وعندما اجتاحت قوات الحوثي وصالح عدن لاحقاً ، وقفت المقاومة الشعبية الجنوبية بأسلحة بسيطة دفاعاً عن المدينة، بينما كانت بعض التيارات المرتبطة بمشروع الضاحية الجنوبية تراهن على تفاهمات مع الحوثيين، وتردد أن الحرب لا تعنينا ظناً منها أن الحوثيين سيمنحون الجنوب استقلالاً بعد إسقاط هادي. لكن الوقائع كشفت سريعاً أن الحوثي لم يكن يحمل مشروع شراكة، بل مشروع اجتياح وهيمنة، وأنه لم يفرّق بين شمالي وجنوبي حين اقتحم عدن بالنار والدمار.
ثم جاءت عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية ، لتمنع سقوط اليمن بالكامل في قبضة المشروع الإيراني، ولتعيد الاعتبار للشرعية اليمنية ممثلة بالرئيس هادي. عندها تغيّرت مواقف كثير من القوى، والتحق البعض بالمقاومة بعدما اتضح اتجاه المعركة والدعم الإقليمي.
وبعد تحرير عدن، كان خطاب هادي واضحاً وصريحاً مع الجنوبيين. لم يخدعهم بشعارات عاطفية، ولم يبع لهم اوهاماً سياسية. قال لهم بوضوح أنتم تريدون الانفصال، وأنا رئيس لليمن كله، وموقعي لا يسمح لي بإعلان ذلك. لكنه في المقابل دعاهم لبناء الجنوب، وتوحيد صفوفهم، وتمكين أبنائه من إدارة مؤسساته المدنية والعسكرية، موكداً أن المستقبل يجب أن يُحسم عبر السياسة والاستفتاء وإرادة الناس، لا عبر الفوضى والشعارات والانقلابات.
كانت تلك مقاربة دولة، لا مقاربة فصيل أو جماعة لكن المؤسف أن بعض القوى الجنوبية التي استفادت من الشرعية ومن دعم التحالف، عادت لاحقاً للانقلاب على هادي نفسه، رغم أنه كان الأكثر تمكيناً للجنوبيين داخل مؤسسات الدولة منذ عام 1990. وعندما تم إشراك تلك القوى لاحقاً في السلطة ضمن ترتيبات الشراكة، تراجع خطاب فك الارتباط تدريجياً ، وتحولت القضية من مشروع انفصال عاجل إلى مجرد ورقة تفاوض مؤجلة ضمن الحل النهائي
وهنا تظهر المفارقة الكبيرة القوى التي كانت ترفض الشراكة مع اليمن الموحد قبلت لاحقاً بالمشاركة الكاملة في مؤسسات الشرعية اليمنية، وفي مجلس القيادة، والحكومة، والجيش، لسنوات طويلة، دون أن تعلن انفصالاً فعلياً أو تقدم مشروع دولة مكتملاً وقابلاً للحياة.
أما هادي فإنه ظل متمسكًا بفكرة الدولة، وبالشرعية الدستورية، وبحق اليمنيين جميعاً في وطن عادل لا تهيمن عليه أسرة ولا سلالة ولا منطقة.
لقد كان مشروعه الحقيقي هو بناء يمن اتحادي يضمن شراكة الجميع، ويمنح الجنوب حقه في الإدارة والثروة والقرار، بعيداً عن الظلم التاريخي أو الهيمنة المركزية. وحتى في أسوأ الظروف، لم يستخدم الجنوب كورقة انتقام من الشمال، ولم يجرّ البلاد إلى تقسيم متسرع قد يتحول إلى صراع دائم.
لهذا، فإن الإنصاف يقتضي القول إن كثيراً مما جرى للرئيس هادي لم يكن نتيجة خيانة مشروعه، بل نتيجة تمسكه به. فقد حاربته مراكز النفوذ في صنعاء لأنه أراد دولة اتحادية، وخذلته بعض القوى الجنوبية لأنه لم يعلن الانفصال، بينما ظل هو متمسكاً بفكرة اليمن العادل الذي لا غالب فيه ولا مغلوب.
وربما سيكتشف اليمنيون مع مرور الوقت أن الرجل الذي تعرّض لأكبر قدر من التشويه، كان في الحقيقة آخر رئيس حاول إنقاذ فكرة الدولة قبل أن تبتلع البلاد مشاريع السلاح والطائفية والمناطقية والفوضى.
- دعوات توحيد المؤتمر… ترتيب سياسي لا صحوة تنظيمية
- معهد تمكين ينظم دورة في كتابة الخبر الإلكتروني
- بدعم كويتي.. افتتاح “مدينة أبو حليفة السكنية” في المخا.. نقلة نوعية في الإيواء الإنساني وتعزيز للاستقرار المجتمعي
- دبلوماسية "الاستجداء" وتآكل المكانة: هل أصبحت الوساطة الباكستانية عبئاً على كبريائها السيادي؟